مجتمع وحوداث

في توصيفة "هرگاوة " حيال " الشلح " و " لعروبي " ؛ أو عندما يسخر المغربي من نفسه

سعيد العنزي تاشفين

   - يقول ألبير ميمي : " إن المستعمَر ينتهي أحيانا إلى تبنّي صورة المستعمِر عنه ، فيحتقر ذاته كما يحتقره الآخر " ٠


 


      كان المجتمع المغربي قبل الاستقلال سنة 1956 مجتما يغلب عليه الطابع القروي ليس اقتصاديا فحسب ، بل في نمط الذهنيات ٠ إذ إن أغلبية السكان كانت تعيش في البوادي والقرى الصغيرة وتعتمد أساسا على الفلاحة التقليدية والرعي وبعض الحرف البسيطة كمصادر للعيش ، بينما ظلت " المدن " محدودة جدا من حيث العدد والتأثير الديموغرافي والإقتصادي ، وهو ما جعل البنية الإجتماعية للمغرب آنذاك تتسم بالبساطة والتجانس النسبي مقارنة بما عرفه المجتمع لاحقا من تحولات حضرية وصناعية ٠ وقد ارتبط الإنسان المغربي بالأرض والقبيلة والعائلة الممتدة ، حيث كانت الروابط الإجتماعية تقوم على القرابة والتعاون والتضامن الجماعي أكثر مما تقوم على الفردانية أو التنافس الإقتصادي ، فالفرد كان يُعرَّف من خلال انتمائه الإثني أو القبلي ، وكانت الأعراف والتقاليد تؤدي دورا تنظيميا مهما في الحياة اليومية إلى جانب الدين والزوايا والسلطة المحلية ( شيخ القبيلة / أمغار + القايد أو الباشا ) ٠ كما اتسم نمط العيش بدرجة كبيرة من البساطة ، سواء في السكن أو الغذاء أو اللباس أو الإستهلاك عموما ، إذ كانت الأسر القروية تنتج جزءا كبيرا مما تستهلكه بنفسها ضمن “ اقتصاد الكفاف والتقشف " حيث يكون الهدف الأساس من العمل هو ضمان الإستمرار والبقاء وليس تحقيق التراكم الرأسمالي أو الرفاه المادي ، لذلك كان الفلاح المغربي يعتمد على أدوات زراعية تقليدية وعلى العمل العائلي والجماعي في الحرث والحصاد والبناء ، وكانت البيوت تُشيَّد غالبا من الطين والحجر والخشب المحلي في انسجام مع البيئة الطبيعية المحيطة ٠ وقد ساهمت محدودية وسائل النقل والإتصال وضعف انتشار التعليم الحديث في الحفاظ على الطابع التقليدي للمجتمع ، فبقيت الثقافة الشفوية والعادات المحلية والعلاقات المباشرة أساس الحياة الاجتماعية ، كما لعبت المواسم والأسواق الأسبوعية والزوايا الدينية دورا مركزيا في تنظيم العلاقات الإقتصادية والرمزية والسلطة بين السكان ٠ وسوسيولوجيا يمكن اعتبار المجتمع المغربي التقليدي نموذجا لما وصفه السوسيولوغ إميل دوركهايم ب " التضامن الآلي " حيث تتشابه الأدوار الإجتماعية والقيم داخل الجماعة ، ويكون الإندماج قائما على التشابه والإنتماء الجماعي ، بخلاف المجتمعات الحديثة التي تقوم على تقسيم العمل والتخصص والفردانية ٠ كما أن التحولات التي أدخلها الإستعمار الفرنسي والإسباني ، رغم تأثيرها في البنية الإدارية ، لم تُلغِ الهيمنة القروية بشكل فوري ، بل استمر المغرب إلى ما بعد الاستقلال مجتمعا ذا أغلبية ريفية ، قبل أن تبدأ موجات الهجرة القروية نحو المدن نتيجة التغيرات الإقتصادية وتوسع الإدارة الحديثة والتعليم والبنيات التحتية . وقد أدى ذلك تدريجيا إلى انتقال المغرب من مجتمع بسيط قائم على التضامن التقليدي والأكتفاء النسبي إلى مجتمع حضري ( مع التحفظ في استعمال صفة الحضري اللهم في بعدها المعماري Urbain ) أكثر تعقيدا وتفاوتا واستهلاكا ، غير أن آثار المرحلة القروية ما تزال حاضرة في الثقافة المغربية المعاصرة ، سواء من خلال قوة الروابط العائلية أو استمرار بعض قيم التعاون والتكافل والتعلق بالأصل القروي داخل المدن نفسها ، وهو ما يجعل فهم المجتمع المغربي الحالي مرتبطا بشكل وثيق باستيعاب جذوره القروية والتقليدية التي شكّلت بنيته التاريخية والإجتماعية والذهنية لعقود طويلة ٠


     يذهب بول باسكون إلى أن المجتمع المغربي كان مجتمعا قرويًا تقليديا يقوم على الفلاحة والتضامن العائلي والقبلي ، كما اعتبره مجتمعا مركبا يجمع بين التقاليد القديمة ومظاهر الحداثة التي ظهرت مع الاستعمار والتحولات الاجتماعية التي أفرزها ٠ ويعتبر جاك بيرك أن المجتمع المغربي قبل الاستقلال كان مجتمعا قرويا بامتياز ، إذ كانت أغلبية السكان تعيش في البوادي ، وتعتمد على الفلاحة والرعي ، بينما كانت القبيلة تشكل الإطار الأساس للتنظيم الإجتماعي والإقتصادي ٠ وفي التوجه نفسه يؤكد محمد جسوس قروية المجتمع المغربي في كل شيء قبيل حلول الإستعمار ٠ 


* مخرجات الفهم : 


     من يعتبر الهركاوي ذلك " لعروبي " أو " الشلح " الذي يستعصي عليه الإندماج في قوالب الحضارة ، فهو يخطيء الفهم ٠ ذلك أن المغاربة كانوا مجرد مجتمع بدوي بسيط ، يعيش على ممارسة الزراعة المعيشية والرعي / الإنتجاع أو ممارسة أعمال السخرة الفلاحية وفق شروط نمط إنتاج قروي بسيط ( ربما شبه فيودالي ) ٠ وهذه بعض الفرضيات تستحق الفحص في مضمار محاولة تأكيدها ، فقط في مضمار قياس تمظهرات الإستهلاك الرأسمالي ما بعد مجتمع القبيلة : 


     - متى عرف المغاربة " الشامبوان " و " الصابون " ؟ 

     - متى بدأ المغاربة يستعملون " پاپيي جينيك " ؟ 

     - ما هو نمط الإنتاج الذي ساد خلال القرن التاسع عشر في " المدينة " المغربية ؟ وفي القرية والدوار وإغرم والواحة والجبل ؟

     - متى بدأ المغربي يلبس " البجامة " في بيت النوم ؟

     - متى استعمل المغربي والمغربية " لپاغفان " ؟ 

     - أليس فئة المتوافقين مع الإستعمار أول من " إستوعب " بعض مظاهر التحديث ؟ 

     - أليست مغربة الأطر هي ما منح الفرصة للبيروقراطية الأولى بعد الإستقلال لتتشكل من الموظفين الذين ملأوا فراغ مغادرة نخبة الإدارة الفرنسية للمغرب ؟ 

     - أليست المدرسة الحديثة - مدرسة الإستعمار - الأداة الأولى في نشر ثقافة المدنية والمدينية في مخيال النخبة الأولى المستفيدة من القرب من فرنسا الإستعمارية ؟ 

     - ألم تعتمد تقنيات البناء لدى المغاربة على الحجر و " لجير " أو الطين والخشب ؟ 

     - من هم أثرياء القرن التاسع عشر ؟ وأثرياء ما قبل الإستقلال ؟ أليسوا من يحقق " الإكتفاء الذاتي " وفق شرط التقشف في القمح والشعير ! ما دامت ثقافة الغذاء تعتمد على الكسكس و " لحريرة " والخبز !! وكان لدى القبائل عادة منح الأتاي للرجال ( مرة في اليوم ) واكتفاء النساء بأكل بقايا الأتاي المطبوخ !! 

     - من هم أثرياء المغرب بُعيد الإستقلال ؟ والقصد هنا هم الأثرياء من المجتمع وليس من الأقلية داخل أهل الحلّ والعقد والسلطة ٠ 

     - هل الموظف يصنف في فئة الأثرياء سابقا وراهنا !! خاصة موظفوا " الشهرية " الذين في أحسن الظروف هم مجرد " عمال " الإدارة وأجراء " السربيس " !! 

     - هل سؤال الفرز الطبقي سليم في بنيات الريع كما أفرزها الإستعمار ؟ أم ترى الديموقراطية الإقتصادية والمالية ناضجة حتى تستجمع الثروة وفق ميكانيزمات فرز طبقي سليم !! 

     - هل يمكن وفق النظرية الماركسية ، أوًحتى في النظرية الليبرالية ، تصنيف الموظفون في خانة الطبقة البورجوازية ؟؟ أم في أحسن الظروف في خانة البورجوازية الصغرى !! كما ذهب ماركس ، وفي خانة أصحاب العمل غير المنتج كما صنفهم آدم سميت !! 


     لقد عمل جون واتربوري في متنه عن " النخبة السياسية بالمغرب " على كشف سلاليم التسلق الطبقي بالمغرب من خلال آليات متعددة ، وبما يفيد أن بنية المجتمع قروية - تقليدية ٠ وبالتالي لا يجوز وصف " العروبي " و " الشلح " ب " الهرگاوة " !! ذلك أن الأغلبية الساحقة من المغاربة قرويين من مجالات القرية أو الدوار أو المدشر أو الحومة أو إغرم أو الجبل أو الواحة ٠ أما الحديث عن ساكنة السهول فعلميا مفروض فحص ذلك بخلفية تشكل ثنائيات " السهل ضد الجبل // العرف ضد الشريعة // " البربر " ضد " العرب " // بلاد السيبة ضد بلاد المخزن " ؛ وكل هذه الثنائيات يشكل ماهية المقاربة السوسيو - أنتروبولرجية الكولونيالية ٠ 


      وختاما يبدو لي أنه من العيب المعرفي استعمال توصيفة " هرگاوي " ، وأيضا صفة " الشلح " و " لعروبي " بلا سند تاريخي - سوسيولوجي - أنتروبولوجي - إثنوغرافي - ثقافي ؛ إذ إن هذا المجتمع المغربي برمته كان قرويا بسيطا ومركبا ، ولم يكن مدينيا حداثيا لعدة أسباب في مقدمتها غياب طبقة بورجوازية حقيقية في سياقات ما قبل الإستقلال ، واستعصاء فرز طبقي سليم ٠ وعليه لا يليق ممارسة المزايدات باسم " لمدينة " ضد " لهرگاوة " ؛ ما دام الجميع عروبي وشلح بلا " تهرگاوية " هم هؤلاء المغاربة بلا تجريح والذين يمارسون الترييف الفكري رغم العيش في المدينة كما هو حال بدو الحواضر كما فسر- بشكل ما - عبد الرحمان منيف ٠


     _ الصورة بعدسة مصور عابر في معرض تركيزي الكبير على مداخلة الأستاذ المفكر عبد الله ساعف حول التحولات الثقافية في المغرب ما بين الزمن السياسي الماضي والزمن السياسي الراهن.