سياسة واقتصاد

بين التواصل السياسي والدعاية المقنعة.. قراءة نقدية في نشر ملصقات المرشحين قبل الأوان الانتخابي

عبد العزيز الخبشي
في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، برزت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة لافتة تتمثل في نشر “ملصقات انتخابية” تحمل اسم المرشح وصورته ومعطيات عن الدائرة الانتخابية، في شكل يحاكي تماما الملصقات الرسمية التي تعلق خلال فترة الحملة الانتخابية القانونية. هذه الممارسة، وإن بدت في ظاهرها مجرد تواصل رقمي أو تعبير عن النية في الترشح، تثير في عمقها إشكالات قانونية وأخلاقية تتصل بمبدأ تكافؤ الفرص، واحترام الزمن الانتخابي، وحدود الدعاية المسموح بها. بل إن هذا الشكل من النشر يكشف عن انتقال الدعاية من المجال المادي المنظم إلى المجال الرقمي المنفلت نسبيا، بما يطرح تحديات حقيقية أمام المشرع وأجهزة المراقبة.

أول ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة هو الطابع “المسبق” والمنظم لهذا النشر. فليس الأمر مجرد إعلان نية أو تعبير سياسي عفوي، بل هو إعداد بصري وبلاغي مكتمل الأركان، يتضمن عناصر الهوية البصرية للحملة (الصورة، اللون، الشعار، الدائرة، أحيانا رمز الحزب)، وهو ما يجعل هذه المواد أقرب إلى أدوات دعاية انتخابية جاهزة للاستخدام. نشرها قبل انطلاق الحملة الرسمية يطرح سؤالا جوهريا: هل نحن أمام ممارسة تواصلية مشروعة، أم أمام حملة انتخابية سابقة لأوانها؟ كما أن اعتماد نفس القوالب البصرية المعتمدة قانونا خلال الحملة الرسمية يعد قرينة قوية على نية التأثير الانتخابي المبكر، وليس مجرد تواصل عادي.

من الناحية القانونية، ينظم القانون الانتخابي المغربي مسألة الحملة الانتخابية بشكل دقيق، سواء من حيث توقيتها أو وسائلها. فالقواعد العامة تؤكد أن الحملة لا تنطلق إلا في فترة محددة تعلن بمرسوم، وتخضع لضوابط تتعلق بالمساواة بين المرشحين، وشفافية التمويل، واحترام الفضاءات المخصصة. كما أن تعليق الملصقات يخضع لتنظيم خاص، حيث تحدد أماكن معينة (لوحات رسمية) يمنع تجاوزها. وعليه، فإن أي ممارسة دعائية خارج هذه الفترة أو خارج هذه الضوابط قد تعد خرقا للقانون. ويضاف إلى ذلك أن القانون يجرم كل سلوك من شأنه التأثير على إرادة الناخبين خارج الإطار الزمني المشروع، مما يجعل هذه الممارسات محل مساءلة محتملة.

غير أن الإشكال يزداد تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالفضاء الرقمي. فالقانون، وإن كان قد بدأ يواكب التحولات الرقمية، إلا أن التأطير الدقيق للدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما يزال في طور التطور. ومع ذلك، فإن المبدأ العام يظل قائمًا: كل ترويج لشخص مرشح أو محتمل، بشكل منظم وموجه للتأثير على الناخبين، يمكن أن يصنف ضمن الدعاية الانتخابية، حتى وإن تم عبر الإنترنت. وهنا يظهر فراغ نسبي في الضبط القانوني التفصيلي للوسائط الرقمية، وهو ما تستغله بعض الحملات للالتفاف على روح القانون دون خرق صريح لنصه.

في هذا الإطار، يمكن استحضار مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، الذي ينص على معاقبة كل من قام بحملة انتخابية خارج الفترة المحددة. كما يعاقب على استعمال وسائل دعائية غير مشروعة أو على القيام بممارسات تخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين. صحيح أن النصوص لا تذكر صراحة “الفيسبوك” أو “الإنستغرام”، لكنها تعتمد معيارًا وظيفيًا: أي وسيلة تُستعمل للدعاية تدخل ضمن نطاق المنع إذا كانت خارج الزمن القانوني. كما يمكن أن تكيف هذه الأفعال ضمن خانة “الدعاية السابقة لأوانها”، وهي من المخالفات التي قد تؤدي إلى ترتيب جزاءات مالية أو انتخابية بحسب جسامة الفعل وتأثيره.

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن نشر هذه الملصقات الرقمية يمثل نوعا من “التحايل الرمزي” على القانون. فبدل تعليق الملصقات في الشارع، يتم نشرها في الفضاء الافتراضي، الذي أصبح اليوم أكثر تأثيرا وانتشارا. وبدل الإعلان الصريح عن الحملة، يتم تقديم الأمر على أنه “تعريف بالنفس” أو “تواصل مع المواطنين”. غير أن مضمون الرسالة وشكلها يكشفان عن نية دعائية واضحة، خاصة عندما تستعمل نفس رموز الحملة التقليدية. بل إن هذا التحايل قد يرقى إلى مستوى خرق مبدأ الشفافية، خاصة إذا تم تمويل هذه الحملات الرقمية بموارد غير مصرح بها أو خارج سقف النفقات المحدد قانونا.

هذا التحايل يطرح إشكالية أخلاقية قبل أن يكون قانونيا. إذ يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، حيث يستفيد بعض المرشحين من حضور رقمي قوي وموارد مالية تمكنهم من إطلاق حملات مبكرة، في حين يلتزم آخرون بالقانون وينتظرون انطلاق الحملة الرسمية. كما أنه يربك الناخب، الذي يتعرض لرسائل دعائية خارج الإطار الزمني المحدد، ما قد يؤثر على اختياراته بشكل غير متوازن. كما يساهم في خلق نوع من “الفوضى الانتخابية الرقمية” التي تُضعف الثقة في نزاهة العملية الانتخابية برمتها.

من جهة أخرى، يمكن فهم هذه الظاهرة في سياق التحولات التي يعرفها الفعل السياسي. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فضاءً رئيسيا للتعبئة والتأثير، ولم يعد من الممكن حصر الحملة الانتخابية في الشارع أو في الإعلام التقليدي. كما أن المنافسة السياسية أصبحت أكثر حدة، ما يدفع بعض الفاعلين إلى البحث عن كل الوسائل الممكنة لكسب السبق. غير أن هذا التحول لا يبرر خرق القواعد، بل يستدعي تطويرها وتحيينها بما يضمن التوازن بين حرية التعبير ونزاهة العملية الانتخابية. وهو ما يفرض على المشرع إعادة النظر في المنظومة القانونية لتشمل بشكل صريح الدعاية الرقمية وآليات مراقبتها.

في هذا السياق، يبرز دور السلطات المختصة، وعلى رأسها وزارة الداخلية والهيئات القضائية، في مراقبة هذه الممارسات وتحديد ما إذا كانت تشكل خرقا للقانون. كما يبرز دور القضاء في تفسير النصوص وتكييفها مع الواقع الرقمي. فهل يُعتبر نشر ملصق انتخابي على الفيسبوك قبل الحملة جريمة انتخابية؟ الجواب ليس بسيطا، لكنه يميل إلى الإيجاب إذا توفرت عناصر الدعاية: القصد، التنظيم، التأثير على الناخبين. كما يمكن أن يشكل ذلك سابقة قضائية في حال عرض النزاع على المحاكم، مما سيساهم في تطوير الاجتهاد القضائي في المجال الانتخابي الرقمي.

إلى جانب ذلك، يمكن استحضار البعد الزجري، حيث ينص القانون على عقوبات قد تشمل الغرامة، بل وحتى إلغاء الترشيح في بعض الحالات الخطيرة. هذه العقوبات تهدف إلى حماية نزاهة الانتخابات، لكنها تبقى رهينة بمدى تفعيلها. فإذا لم يتم ضبط هذه الممارسات ومحاسبة أصحابها، فإنها قد تتحول إلى قاعدة بدل أن تبقى استثناء. كما أن غياب الردع الفعلي يشجع على تكرار هذه الخروقات واتساع نطاقها بين مختلف الفاعلين السياسيين.

في المقابل، لا بد من التمييز بين الدعاية الانتخابية والتواصل السياسي المشروع. فليس كل ظهور لاسم شخص أو صورته يعد دعاية. يمكن للفاعل السياسي أن يعبر عن مواقفه، أو يعلن عن أنشطته، أو يتواصل مع المواطنين، دون أن يدخل في إطار الحملة. غير أن الخط الفاصل بين الأمرين يصبح رفيعا عندما يتعلق الأمر بمواد تحمل طابعا انتخابيا واضحا، كما هو الحال في هذه الملصقات. وهذا ما يستدعي وضع معايير دقيقة لتحديد مفهوم “الدعاية الانتخابية” في العصر الرقمي، تفاديا لأي تأويلات متضاربة.

وكخلاصة للقول، فإن نشر ملصقات المرشحين على مواقع التواصل الاجتماعي قبل انطلاق الحملة الانتخابية يمثل ظاهرة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد القانونية والسياسية والأخلاقية. وهي تعكس من جهة حيوية الفضاء الرقمي، ومن جهة أخرى الحاجة إلى تأطير هذا الفضاء بما يضمن احترام قواعد اللعبة الديمقراطية. وبين حرية التعبير وضرورة احترام الزمن الانتخابي، يبقى التحدي قائما في إيجاد توازن يحمي نزاهة الانتخابات دون تقييد غير مبرر للحريات. كما أن هذه الظاهرة تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على مواكبة التحولات الرقمية دون التفريط في مبادئ النزاهة والشفافية.

إن الرهان الحقيقي ليس فقط في معاقبة المخالفين، بل في ترسيخ ثقافة سياسية تحترم القانون وروحه، وتؤمن بأن المنافسة النزيهة تبدأ من احترام القواعد، لا من التحايل عليها. وفي أفق انتخابات 2026، يبدو أن هذا النقاش سيزداد أهمية، خاصة مع تصاعد دور الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام. وهو ما يفرض على جميع الفاعلين، من مرشحين وأحزاب وسلطات، الالتزام الصارم بالقانون، تفاديًا لأي انزلاقات قد تمس بمصداقية العملية الديمقراطية.