مجتمع وحوداث

سحر الكلمات …" بعد إذنك يا بيه"

عبد الرفيع حمضي

شاءت الظروف أن أكون في وقت صلاة المغرب، بساحة باب مسجد الامام الحسين بخان الخليلي في القاهرة. ذلك الفضاء الذي يختلط فيه الزائر بالمقيم، والتاريخ باليومي، والروحاني بالتجاري. ولا يخفى على أحد حجم الازدحام في مثل هذه اللحظات: حركة لا تهدأ، أصوات تتقاطع، وباعة يعرضون أشياء بسيطة في ممرات ضيقة بالكاد تتسع للمارة.

وسط هذا المشهد، لفتت انتباهي سيدة ستينية تحمل في يدها بعض السلع المتواضعة تعرضها للبيع. أرادت أن تمر، لكن الطريق كان شبه مغلق. توقفت لحظة، ثم قالت لأحد الباعة:

“بعد إذنك يا بيه… ممكن اعدي؟”

عبارة قصيرة، لكنها كانت كافية لفتح الطريق.

ما شدني لم يكن فقط مضمون الجملة، بل نبرتها؛ ذلك المزج بين الأدب واللين، بين الاحترام والذكاء الاجتماعي، حيث لم تكن استجداء ولا خضوعا، بل لغة تعترف بالآخر حتى في أكثر اللحظات ازدحاما.

في مصر، تكتشف أن اللباقة ليست امتيازا طبقيا، ولا سلوكا نخبويا، بل جزء من السلوك الاجتماعي في الحياة اليومية. تسمع كلمات تتكرر من قبيل “لو سمحت”، “بعد إذنك”، “تكرم عينك” في الشارع كما في المقهى. وهي كلمات بسيطة، لكن لها دور وظيفي مهم في تنظيم العلاقة بين الناس، كما تسهم في تخفيف الاحتكاك داخل الفضاءات المزدحمة.

هذا السلوك يختزل ما هو أبعد من العادة. كما يقول ابن خلدون، الإنسان “مدني بالطبع”، أي لا يعيش إلا داخل جماعة، وهي جماعة لا تخضع لتنظيم القانون وحده، بل أيضا لتلك القواعد والأعراف غير المكتوبة التي تجعل التعايش ممكنا، ومن بينها طريقة الكلام.

وبلغة أرسطو، "الأخلاق ليست ما نقوله عن أنفسنا، بل ما نعتاد ممارسته يوميا".فعبارات “من فضلك” و”شكرا” ليست مجرد صيغ لغوية في التواصل، بل هي تمرين يومي بسيط على الاعتراف بالآخر.

وعندما نتجه غربا، من مصر نحو تونس ثم الجزائر فالمغرب، نلاحظ تحولا تدريجيا في نبرة الخطاب، حيث تميل اللغة إلى مزيد من المباشرة، وأحيانا إلى حدّة أو جفاء. ليس بالضرورة بسوء نية، بل يعبر عن نمط مختلف من التواصل، أقل اعتمادا على المجاملة اللفظية.

ولا يتعلق الأمر فقط بالاستئذان، بل أيضا بثقافة الشكر. فقد يوقفك أحدهم في الشارع ويسألك عن طريق، دون عبارة “لو سمحت”. فتساعده، فيمضي سريعا دون “شكرا”. وحتى حين تُقال الكلمة، تخرج أحيانا بصعوبة، كأنها ليست جزءا طبيعيا من السلوك.

هناك من يبرر قلة لياقته ولباقته بأنه “ما عنديش مع النفاق الاجتماعي والتحالوين فالهضرة"والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالنفاق، بل بالحد الأدنى من الذوق الذي يجعل العلاقة مع الآخر ممكنة. فالمجاملة ليست زيفا، بل اعتراف بسيط بالغير، وكأنها تقول له: أنا أراك وأحترم وجودك. أما حين تغيب، فلا يبقى سوى احتكاك مباشر قد يكون صادما، حتى وإن كانت النوايا سليمة.

تذكرت هنا موقفا عشته منذ شهر في مقهى Les Caves du Chalet في باريس. جلس بجانبي شخص مغاربي. جاءت النادلة، فقال لها مباشرة: “cafe”. توقفت قليلا، ثم قالت بهدوء: “ un café s’il vous plaît 

أعاد الطلب مرتبكا… وكان الإحراج واضحا على وجهه.

هذا المشهد البسيط يكشف الكثير. فالقضية ليست مسألة لغة، بل ثقافة استعمال اللغة. 

ففي علم الاجتماع ، تعتبر هذه التفاصيل جزءا من القواعد غير المكتوبة للعيش المشترك. فحين تضيق الأمكنة، تكبر الحاجة إلى الكلمة الطيبة، لا باعتبارها ترفا، بل كآلية يومية لتجنب الاحتكاك.

فاللغة هنا لا تنقل المعنى فقط، وإنما تضبط المسافة بين الناس. فكلما كانت الكلمة ألين وألطف ،اتسعت مساحة التعايش.

وبين ما يقال وما لا يقال، تبقى الكلمة، مهما كانت بسيطة، قادرة على أن تسهل الحياة… أو تصعبها. لما لها من سحر عجيب .