سياسة واقتصاد

الرباط تقلب الموازين.. "الصبر الاستراتيجي" المغربي يضع الجزائر في حصار دبلوماسي

كفى بريس
شهد ملف الصحراء المغربية تحولات جذرية في موازين القوى، انتقلت بموجبها القضية من مرحلة النزاع إلى مرحلة "الحصار الدبلوماسي" الخانق الذي يطوق صانع القرار في الجزائر ويجعل من جبهة "البوليساريو" الانفصالية عبءا سياسيا وماليا ثقيلا على جنرالات قصر المرادية.

ويرى مراقبون، من بينهم الكاتب الصحفي عبد الهادي مزراري، أن المغرب نجح عبر سياسة "الصبر الاستراتيجي" في تحويل جبهة "البوليساريو" من أداة استنزاف ضد الرباط إلى عبء سياسي ومالي ثقيل يستنزف الدولة الجزائرية ومؤسساتها، واضعاً إياها في مواجهة مباشرة مع تداعيات خياراتها التاريخية.

وذكر مزراري بأن النهج الجزائري، تأسس منذ عهد الرئيس الأسبق هواري بومدين، على عقيدة جعل ملف الصحراء محوراً مركزياً لإضعاف المغرب، حيث جُندت كافة أجهزة الدولة الجزائرية—من المؤسسات العسكرية والدبلوماسية وصولاً إلى المنابر الدينية والإعلامية—لترسيخ خطاب "العدو الكلاسيكي".

ولم يقتصر هذا التوجه على الدعم السياسي، بل امتد لتمويل لوجستي وعسكري ضخم لمخيمات تندوف وجبهة البوليساريو، وهو إنفاق مالي هائل استمر لعقود بهدف إبقاء النزاع مفتوحاً وتصدير الأزمات الداخلية الجزائرية عبر شماعة "المؤامرة الخارجية".

في المقابل، نجح المغرب في تفكيك هذا المخطط عبر مسار تدريجي بدأ بالحسم العسكري الميداني، ثم الانتقال الذكي إلى المعترك الدبلوماسي الأممي. وشكلت مبادرة "الحكم الذاتي" التي طرحتها الرباط عام 2007 نقطة التحول الكبرى، حيث نقلت الملف من دوامة الاستفتاء المستحيلة إلى واقعية الحل السياسي. 

وبفضل هذا التحرك، استطاع المغرب كسب تأييد قوى عظمى كالولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، وتوج ذلك بافتتاح قنصليات دولية في الأقاليم الجنوبية، مما عزز سيادته على الأرض وأجهض الأطروحات الانفصالية في المحافل الدولية.

وتواجه الجزائر اليوم تداعيات هذا الانحسار الدبلوماسي، حيث وجدت نفسها في عزلة متزايدة بعد توتر علاقاتها مع شركاء أوروبيين وفشلها في الانضمام إلى تكتلات اقتصادية وازنة مثل مجموعة "بريكس". 

وبينما يواصل المغرب تعزيز شراكاته الدولية، تبدو الجزائر وكأنها عالقة في استراتيجية قديمة تجاوزها الزمن، حيث تحولت قضية الصحراء من وسيلة للضغط الإقليمي إلى "حبل" يضيق الخناق على دبلوماسيتها، خاصة مع توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وتراجع الوزن التأثيري للجزائر في هذا الملف قارياً ودولياً.