لم يكن اسم البرازيل مجرد خصم حين خرج من وعاء القرعة في مركز جون كينيدي بواشنطن كان اختباراً فلسفياً. المنتخب المغربي لم يعد ينظر إليه اليوم كمنتخب مفاجأة عابرة، بعد أن رسّخ إنجازه التاريخي في مونديال قطر 2022 حين بلغ نصف النهائي وأصبح أول منتخب عربي وأفريقي يطرق ذلك الباب. أصبح طرفاً يحظى باحترام المدارس الكروية الكبرى، ويُحسب له الحساب قبل أن تُصفّر أي مباراة. وهذا بالضبط ما يجعل مواجهة الكانارينيو أمراً مختلفاً تماماً عن كل ما سبق في تاريخ الكرة المغربية لأن الخاسر في مثل هذه المواجهات لا يخسر النقاط الثلاث فحسب، بل يخسر السردية بأكملها.
يواجه المنتخب المغربي البرازيل في مباراته الأولى يوم 13 يونيو 2026 بنيوجيرسي، ثم يلتقي اسكتلندا في 19 يونيو ببوسطن، ويختتم دور المجموعات بمواجهة هايتي في 24 يونيو بأتلانتا. ثلاث مدن أمريكية، ثلاثة اختبارات متصاعدة الرمزية لكن البرازيل تبقى القصيدة الأم، المباراة التي ستحدد لهجة المشوار بأكمله.
الأمر يتجاوز كرة القدم. حين خرجت كرة المغرب مع البرازيل في واشنطن، لم يقرأ الجمهور هذا المشهد بوصفه مجرد صدفة قرعة، بل باعتباره لمحة من الماضي، عودة للتاريخ من أوسع أبوابه، ونافذة لثأر كروي مؤجل. غير أن ما يغفله هذا الحنين هو أن المغرب اليوم ليس ذلك الفريق الذي كان يكتفي بالحضور ويحتفل بمجرد التأهل. الجيل الحالي من أسود الأطلس, إبراهيم دياز على الجناح، بلال الخنوس يقود الخط الأوسط، وياسين بونو حارساً يمنح الدفاع طمأنينة نادرة جيل تشرّب ثقافة الفوز ويرفض أن يكون ديكوراً جميلاً في بطولة يصنعها الآخرون.
لكن وهنا يكمن الرهان الحقيقي يواجه المنتخب تحدياً وجودياً جديداً: الانتقال من منتخب صانع المفاجأة إلى منتخب مرشح دائم للمنافسة. هذا الانتقال هو الأصعب في تاريخ أي منتخب ناشئ، لأنه يعني أن المفاجأة لم تعد كافية، وأن العالم بات يتوقع منك لا يخشاك فحسب. التوقع ثقيل كالرصاص حين تكون الأرض أمريكية والجمهور عالمي والبرازيل في المرمى المقابل.
ينطلق هذا المونديال في نسخته الموسعة الأولى بمشاركة 48 منتخباً على ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. نسخة أكبر تعني منافسة أوسع، لكنها تعني أيضاً فرصاً أكثر لمن يمتلك الجرأة على استغلالها. والمغرب إن أثبت شيئاً في قطر فهو أنه يعرف كيف يقرأ اللحظات الكبرى ويحولها إلى وقود.
في النهاية، المباراة أمام البرازيل ليست سؤالاً في كرة القدم فحسب إنها سؤال في الهوية: هل المغرب الكروي انتهى من بناء نفسه ورواية قصته، أم أنه لا يزال في الفصل الأول من الكتاب؟ الجواب سيُكتب تحت أضواء نيوجيرسي في 13 يونيو، على أرض قد تكون أبعد ما تكون عن الأطلس، لكنها ستكون أقرب ما تكون إلى قلب 37 مليون مغربي يحملون في صدورهم حلماً لم يعد مستحيلاً.






