مجتمع وحوداث

مشروع قانون المحاماة بين التأهيل المعلن وتحديات الاستقلال في ضوء المعايير الدولية

زهير أصدور

يشكل تقديم وزير العدل عبد اللطيف وهبي لمشروع قانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب محطة تشريعية دقيقة وحاسمة في مسار إعادة تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب، غير ان القراءة المتفحصة لمضامين هذا النص تكشف منذ الوهلة الاولى عن مفارقة عميقة بين الخطاب المعلن الذي يؤكد على التأهيل والتحديث وبين المضمون الذي يحمل في طياته نزعة واضحة نحو الضبط والتحكم في مفاصل المهنة، وهو ما يطرح سؤالا مركزيا حول طبيعة هذا الاصلاح وحدوده ومراميه الحقيقية في ظل التحولات التي يعرفها حقل العدالة وطنيا ودوليا. فبعد ازيد من سبعة عشر سنة على دخول القانون 28.08 حيز التنفيذ، كان من الطبيعي ان تفرض الممارسة العملية اعادة النظر في عدد من الاختلالات المرتبطة بالتكوين وباشكال المزاولة وبالمسطرة التأديبية، غير ان ما يثير الانتباه هو ان المشروع الجديد لم يقتصر على معالجة تلك الاختلالات بقدر ما ذهب الى اعادة هندسة شاملة للمهنة في اتجاه قد يعيد تعريف موقعها داخل منظومة العدالة، ليس كقوة اقتراحية مستقلة بل كحلقة خاضعة لمنطق التنظيم الاداري الصارم.


ان اعتماد نظام المباراة بدل الامتحان لولوج المهنة يقدم ظاهريا باعتباره الية لضبط الجودة واستقطاب الكفاءات، غير انه يفتح عمليا الباب امام امكانية التحكم في ولوج المهنة عبر معايير قد لا تكون دائما شفافة او قائمة على تكافؤ الفرص، وهو ما يتعارض مع المبادئ الدولية التي اكدت عليها الامم المتحدة من خلال مبادئها الاساسية بشأن دور المحامين الصادرة سنة 1990، والتي تشدد على ضرورة ضمان ولوج حر وعادل للمهنة دون تمييز او قيود غير مبررة، كما ان ربط التكوين المستمر بالمساءلة التأديبية يحول هذا التكوين من الية لتطوير الكفاءة المهنية الى اداة للرقابة، في حين ان التجارب المقارنة خاصة في الفضاء الاوروبي تجعل من التكوين المستمر حقا وواجبا مهنيا في اطار من الاستقلالية لا يخضع لمنطق الزجر.


وفيما يتعلق باشكال ممارسة المهنة، فان فتح المجال امام الشراكات المهنية والتعاون مع محامين ومكاتب اجنبية يعكس تأثرا واضحا بالعولمة القانونية وبمتطلبات جلب الاستثمار، غير ان هذا الانفتاح يثير اشكالات جوهرية تتعلق بالحفاظ على الطابع الرسالي للمحاماة، اذ ان التجارب الدولية وخاصة في بعض الانظمة الانجلوساكسونية بينت ان تحويل مكاتب المحاماة الى كيانات اقتصادية كبرى قد يؤدي الى تغليب منطق الربح على حساب واجب الدفاع، وهو ما يتعارض مع ما اكدته رابطة المحامين الدولية من ضرورة الحفاظ على استقلال المحامي عن اي تأثير اقتصادي او مؤسساتي قد يمس جوهر رسالته، كما ان تنظيم عمل المحامين الاجانب وفق شروط ادارية صارمة قد يبدو منسجما مع حماية السوق الوطنية لكنه في المقابل يطرح سؤال التوازن بين الانفتاح والتقييد في سياق دولي يتجه نحو حرية تنقل الخدمات القانونية.


اما بخصوص العلاقة بين المحامي وموكله، فان فرض التكليف الكتابي الاجباري بكل تفاصيله يمثل تحولا نوعيا في هذه العلاقة التي كانت تقوم تقليديا على الثقة والمرونة، ورغم ان هذا الاجراء قد يعزز الشفافية ويحد من النزاعات المرتبطة بالاتعاب او نطاق النيابة، الا انه في المقابل قد يثقل الممارسة المهنية ويحولها الى علاقة تعاقدية صرفة تخضع لمنطق الشكلية، في حين ان عدد من الانظمة المقارنة تحافظ على هامش من المرونة خاصة في الحالات المستعجلة او في اطار المساعدة القضائية، وهو ما ينسجم مع فلسفة العدالة كخدمة عمومية وليس مجرد علاقة تعاقدية.


وفي محور حصانة الدفاع، يلاحظ ان المشروع يقدم مجموعة من الضمانات الشكلية كاشعار النقيب في حالة اعتقال المحامي وحضور ممثل الهيئة اثناء الاستماع اليه، غير ان هذه الضمانات تقابلها قيود واضحة على حرية التعبير المهني من خلال منع الاحتجاج داخل فضاءات المحاكم، وهو ما قد يفرغ مفهوم الحصانة من مضمونه الفعلي، اذ ان الحصانة لا تقتصر على الحماية من المتابعات بل تشمل ايضا ضمان حرية المحامي في التعبير عن مواقفه المهنية والدفاع عن استقلاليته، وهو ما اكدت عليه ايضا المواثيق الدولية ذات الصلة باستقلال القضاء والمحاماة، حيث ينظر الى المحامي كفاعل اساسي في تحقيق المحاكمة العادلة وليس كعنصر تابع لمنظومة الضبط.


وعلى مستوى المسطرة التأديبية، فان المشروع يسعى الى عقلنتها من خلال تحديد اجال واتاحة امكانية الطعن وتكريس بعض ضمانات الدفاع، غير ان ادخال النيابة العامة كطرف قادر على منازعة قرارات الحفظ يطرح اشكالا دقيقا يتعلق بحدود تدخل السلطة القضائية في شؤون مهنية يفترض ان تدبر بشكل ذاتي من طرف الهيئات، اذ ان المعايير الدولية تميل الى تكريس استقلالية الهيئات المهنية في تأديب اعضائها مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة، دون تحويل المسطرة التأديبية الى امتداد للسلطة الزجرية للدولة، كما ان احداث بطاقة مهنية تتضمن جميع العقوبات التأديبية قد يثير تساؤلات حول حماية الحياة المهنية للمحامي ومستقبله خاصة في غياب اليات واضحة لمحو الاثار او اعادة الاعتبار.


ولا يمكن اغفال البعد التنظيمي الذي جاء به المشروع، خاصة ما يتعلق بحصر ولاية النقيب في مدة واحدة ورفع النصاب لاحداث الهيئات، وهي تدابير قد تقدم في ظاهرها كوسيلة لتحديث الحكامة المهنية، لكنها في العمق قد تؤدي الى اعادة تشكيل التوازنات داخل المهنة وتقليص امكانيات التمثيلية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام التعددية الداخلية واستقلال القرار المهني، خصوصا اذا استحضرنا ان عددا من التجارب الدولية يمنح الهيئات المهنية هامشا واسعا في تنظيم نفسها وفق خصوصياتها دون تدخل تشريعي تفصيلي.


ان القراءة الشمولية لهذا المشروع في ضوء المعايير الدولية والتجارب المقارنة تكشف انه يتحرك في منطقة رمادية بين الاصلاح والتقنين الصارم، فهو من جهة يستجيب لبعض متطلبات تحديث المهنة ومواكبة التحولات العالمية، ومن جهة اخرى يؤسس لمنطق جديد يقوم على ضبط الولوج وتقييد الممارسة وتوسيع نطاق الرقابة، وهو ما قد يؤثر على جوهر استقلالية المحاماة كاحد اعمدة العدالة، ذلك ان اي اصلاح لا يضع في صلبه استقلال الدفاع كقيمة اساسية مهدد بان يتحول الى مجرد اعادة ترتيب ادارية لا ترقى الى مستوى التحول المؤسساتي المنشود، خاصة في سياق دولي اصبح يقيس نجاعة الانظمة القضائية بمدى احترامها لاستقلال المحامين وضمانهم لمحاكمة عادلة متوازنة.