إن خطورة تزكية الفاسدين تؤدي إلى إضعاف جودة التشريع داخل المؤسسات التشريعية ، حيث نجد أنفسنا أمام نخب عاجزة عن مواكبة التحولات المتسارعة ، ومتخلفة بشكل كبير عن التفاعل مع السياق الدولي والإقليمي والتحديات الكبرى ، ومن جهة ثانية ، يساهم الأمر في تكريس العزوف السياسي لدى الشباب بشكل خاص ، إذ يفقد الناخب ثقته في جدوى المشاركة والتصويت ، حين يرى نفس الوجوه تستمر في نفس المناصب ، ونفس أساليب النجاح تكرر عند كل استحقاقات .
وعوض أن يكون البرلمان فضاء للنقاش السياسي المسؤول ، والتداول في الملفات الاستراتيجية الكبرى والتشريع الرصين ، ومراقبة العمل الحكومي ، يتحول في ظل اختلالات التزكيات إلى ساحة للصراعات الهامشية والاستعراضات الفارغة ، ما يفرغ العملية الديموقراطية من محتواها الحقيقي ، فضلا عن التخلف عن مواكبة التوجيهات الملكية السامية ، والمشاريع الكبرى في إطار رؤية مغرب 2030 .
إن المرحلة الراهنة تفرض بروز قيادات سياسية قوية ، قادرة على استشراف المستقبل ، ومواجهة التحديات المعقدة التي تنتج عن الحروب الطاحنة حول المصالح ولا شيء غيرها ، وصياغة بدائل واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين ، وذلك لن يتحقق طبعا دون الجدية في القطع مع ممارسات تزكية الفاسدين ، أو غير المؤهلين ، الذين تسهم تصرفاتهم الطائشة والصبيانية أحيانا في تحويل بعض المؤسسات التمثيلية إلى فضاءات عبثية تسيء لصورة العمل السياسي .
إن مسؤولية إنقاذ الفعل السياسي بالمملكة من العبثية ونقله إلى ساحة الجدية والوضوح والبرامج القابلة للتنزيل مسؤولية جماعية ، تتقاسمها الأحزاب والنخب والمجتمع ، وذلك كله من أجل بناء مشهد سياسي ناضج ، يقوم على معايير الكفاءة والنزاهة ، وله القدرة والمرونة بالشكل الذي يمكن من خلاله تخطي كافة الصعاب ومواجهة تحديات الحاضر وربح رهانات المستقبل .
تستدعي المرحلة السياسية الراهنة تسريع تخليق الحياة السياسية والجدية في محاربة الفساد ، وتقديم المتورطين أمام القضاء ، فضلا عن ضرورة الحسم قبيل الانتخابات في مجموعة من الشكايات وتقارير لجان التفتيش ، ما يقطع الطريق بشكل نهائي أمام محاولات عودة وجوه سياسية مستهلكة إلى المناصب واستمرارها في اتخاذ القرارات والمساهمة في التشريع وتحمل مسؤولية الآمر بالصرف .
في السياق ذاته ، فإن بعض رؤساء الجماعات الترابية انتقلوا إلى رحمة الله والبعض استمروا في مناصبهم لسنوات طويلة ، ويتكرر حصولهم على التزكيات والنجاح في الانتخابات واستغلال سلطة التوقيع ، دون أن يتم الحسم في التقارير والشكايات التي وضعت ضدهم ، منها ما يتعلق بجرائم الأموال .
وليست المؤسسات وحدها مسؤولة عن تفعيل العقاب القانوني المعنية بردع الخروقات والتجاوزات وجرائم الأموال ، بل هناك بعض القيادات الحزبية التي تتحمل مسؤولية التزكيات الفاسدة ، وضرورة مواكبتها الإصلاحات باعتماد معايير الشفافية والكفاءة والنزاهة ، والحرص على تقديم منتخبين يمكنهم تقديم قيمة مضافة لقضايا الشأن العام والمشهد السياسي .
وطبعا فإن محاربة الفساد استراتيجة مستمرة لا يمكن تحويلها إلى حملات موسمية ، لذلك على جميع الفاعلين تحمل مسؤوليتهم في تنزيل التعليمات الملكية بتخليق الحياة السياسية ، لأن المشاركة والانخراط الإيجابي لا يكونان بالشعارات بل بالتضحيات من أجل خدمة المصالح العليا للوطن ، وتقديم الصالح العام على المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة ، وهي الرسالة التي يجب استيعابها والعمل بها حتى لا يستمر الدوران في حلقة مفرغة لشعارات مستهلكة لا يجد لها المواطن أثرا على معيشه اليومي .
لقد قطع المغرب أشواطا في ارساء نموذجه الديموقراطي ، وجعل من الانتخابات والتمثيل الوطني والمحلي والجهوي ، أسمى درجات خدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم وإيجاد حلول لقضاياهم في الصحة والتعليم والشغل والقضاء والترفيه والبنيات التحتية ، وهو غير مستعد للتقهقر الى الوراء من أجل شرذمة من المنتفعين مكانها السجن ، وهو دور النيابة العامة المطوقة بواجب تحريك المتابعات في حق كل من ثبت عبثه بالمصلحة العامة للوطن ....
الواقع أن الصرامة التي أبانت عنها الدولة في التصدي إلى عمليات الفساد والإثراء غير المشروع وتبييض أموال المخدرات في العقار والسياسة والرياضة ، ينبغي أن تسائل الأحزاب إياها أيضا " ، مكونات التغول " في الحكومة والأغلبية والمجالس الجهوية والإقليمية والمحلية " ؛
إن الأحزاب إياها مطالبة بتنقية عتبة بيوتها من " أشرار السياسة " ، وسن قوانين داخلية صارمة بلا هوادة ، لا تسمح بتسرب الكائنات التي تبحث عن مظلة للاختباء تحتها ، أو حصانة برلمانية للتهرب من العقاب وتسفيه القانون ؛
ولأن الأحزاب إياها تتواطأ وتتهافت على المفسدين لكسب المقاعد ، تكبر الخفافيش وتتكاثر في الظلام ، وتصبح وبالا على الدولة ، وعلى صورتنا جميعا أمام العالم .
قلناها مرارا ونكررها : إن من خلق من عدم سيظل رهينة ذلك العدم ، ويبقى الأصيل أصيلا ، فمن كان له ماضي سيكون له حتما مستقبل ...ويبقى الاتحاد الاشتراكي حزبا وطنيا أصيلا ، رقما أسياسيا في ثورة الملك والشعب التي تتجدد في كل لحظة وحين .






