أسوأ تحليل للحرب هو ذلك الذي يسعى إلى إثبات النصر لهذا الطرف أو الهزيمة للطرف الآخر، ويتغافل أو تغيب عنه فكرة أن كل حرب يرافقها دمار شامل، وتظهر آثارها المباشرة على الطرف المعتدى عليه، وتطرح تحديات كبرى تستدعي تجارب تاريخ الأمم والشعوب مع الحروب والكوارث، بل وتستدعي قيمها وأخلاقها ومجدها وتراثها.
في الحاضر الراهن، هذه الحرب التي عاشتها دول العالم وهي تنظر إلى نهايتها تفرض قضايا كبيرة في الزمن المباشر ما بعد الحرب، على الأقل لمدة لا تقل عن عشر سنوات إذا توفرت الموارد، وقد يكون من المعجزات اختصار زمن معالجتها في خمس سنوات، ومنها:
1. تدمير كثير من بنيات الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم والمواصلات والنقل والاتصالات، وهي تحتاج إلى موارد مالية هائلة وإلى خطط استعجالية لإعادة بناء المجتمع من خلال بناء الخدمات فيه.
2. حطام كثير من المؤسسات المدنية والعسكرية، مع آلاف الجرحى والمعطوبين، ومعها جراح نفسية عميقة تتطلب سنين من الرعاية والعلاج متعدد الأبعاد.
3. تظهر مع الأيام طوابير الجوع والحاجات الضرورية، مثل الأدوية للذين يعيشون أمراضاً مزمنة، مما يفرض تحديات غير قابلة للتأجيل، لأن الأمر يتعلق بالحياة والموت.
4. يسيطر ثقل فقدان الأحبة، فتظهر طبقة اجتماعية هشة مكونة من الأيتام والأرامل، تحتاج إلى رعاية خاصة وعناية مهنية، وهو وضع يمتد لسنوات.
5. تنهار الأخلاق، ويزيد من ذلك انهيار كثير من الاقتصاد، سواء الاقتصاد الكبير (Macroéconomie) أو الاقتصاد الاجتماعي الدقيق (Microéconomie).
6. تكثر العصابات المنظمة التي تحترف كل أنواع الجريمة، حيث تقتل الحرب المشاعر الإنسانية، ويكثر الاغتصاب والعنف ضد النساء والأطفال.
7. تنطلق معاناة الناجين، مثل العجوز التي تنتظر ابنها الذي لن يعود لأنه مات في الجبهة، والزوجة التي تنتظر زوجها الذي لن يعود لأنه مات في موقع عسكري، وكل هذه الأمور تتطلب تأكيداً ليتوقف الأمل، وما أصعب عذاب الانتظار.
8. يواجه السكان الجوع والقهر، ويتحول الناس إلى كائنات تكافح من أجل البقاء بأساليب متعددة، حتى الوحشية منها، نتيجة انهيار كثير من القيم، وانتشار الفوضى، وضعف قبضة القانون.
9. ينطلق مسلسل هجرة الكفاءات بحثاً عن الأمان وبناء فرص خاصة وشخصية، مما يزيد من متاعب الوطن ومن بقي فيه.
10. صعوبة التفكير في المستقبل والانطلاق من جديد نظراً لهاجس عودة الحرب.
الخلاصة:
عند نهاية الحرب بالمنطق العسكري، تبدأ عشرات الحروب بالمنطق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وفي الغالب يغيب هذا التحليل عند الحديث السريع، كما في جلسات القهوة أو شرب الشاي، حيث لا تُستحضر هذه الحروب التي تنطلق مع أول دقيقة بعد نهاية حرب القوة العسكرية.






