ترجلت أول أمس السيدة " بزا " عن صهوة الحياة عن سن بلغ 116 عام ، وهي سيدة أمازيغية من زمن المقاومة المسلحة بالجنوب الشرقي للمملكة المغربية ضد المستعمر الفرنسي .
تنحدر " بزا " من قبيلة أيت إعزا نواحي إغرم أمزدار-صاغرو ، ولطالما أدت شهادتها على قرنٍ كامل من تاريخ المغرب بالمنطقة ، وروت بالمحافل الرسمية وكذلك بأزقة وبوابات المداشر وبأرياف الأطلس الكبير ، تفاصيل ملاحم المجد والسؤدد ، وعن قبائل لم ترضى إلا بالحرية والإنعتاق ، حيث إستأنفت الفقيدة مقاومة نسيان ملاحم الكرامة والشرف في ذاكرة الأجيال ، والتضحيات الجسام لأجداد عاشوا تحت الحديد والنار في سبيل الله والإستقلال .
عاشت " يزا " معركة بوكافر سنة 1933 بكل حذافيرها ، حيث حملت على عاتقها مهام الإسعاف والإستطلاع ، ونقل المؤن والذخيرة إلى خنادق المقاومين الذين بلغ عددهم 3000 ، تحت قيادة " عسو وباسلام " ، إذ كانت إلى جانب رفيقتها في الكفاح الراحلة " عدجو موح " من نفس المنطقة تشدان من أزر المجاهدين ، وتحميان الأطفال بفجاج الجبال من القصف الجوي الفرنسي الذي كان لا يرحم كل ما ومن يدب على الأرض ، وكلهما إيمان بصون بقاء الأجيال الصاعدة المنحدرة عن قبيلتهما من عمليات الإبادة الجماعية .
رحيل " بزا " ليس مجرد فقدان جدة معمرة من الأجداد ، وإنما هو فقدان أرشيف حي ، وذاكرة نابضة بالمجد ، وشاهد عيان عن حقبة نحتت تاريخ المغرب الحديث إلى أن صار ما نحن عليه اليوم ، وصدى من الجنوب الشرقي ظل ينادي للعزة .
وفي هذا السياق يبقى السؤال مطروحا أمام المندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير عن مدى إهتمامها بهذه الفئة من المقاومين المعمرين وكانت الفقيدة آخرهم ، وعما قدمته لهم من رعاية وإهتمام ، وسط ذلك الزخم من التجمهرات الخطابية الممتدة لساعات طوال عبر مناطق الجهاد والمقاومة بربوع البلاد ، والتي لم تسمن ولم تغني من جوع من أعطوا كل شيئ ، ولم يأخذوا سوى الفخر ، بعد أن شاركوا ذاتيا وبما ملكت أيمانهم من متاع على الساحات وميادين القتال ، تحت أوبلة الرصاص وشظايا القنابل ، ليظهر غيرهم ممن إختفى خلال المعارك ليلم بعد إنقضائها الغنائم .






