مجتمع وحوداث

مفهوم الصـورة الذهنيـة وعلاقتها باللاشعور

لطيفة أحميش (أستاذة اللغة العربية باحثة في ماستر الوساطة الرقمية والثقافة البصرية)

  يعد مصطلح الصورة واحدا من المصطلحات التي شغلت الباحثين والمفكرين، نظرا لكونها حاضرة في جميع مجالات حياتنا. فهي تملأ مساحة الواقـع والمواقع على حد السواء. وما ينبغي أن نشير إليه في هذا الصدد، أن الالتفات لموضوع الصورة لم يكن وليد اللحظة المعاصرة، بل امتد إلى جذور تاريخية قديمة؛ إذ نجد لها حضورا في الدراسات اليونانية مع كل من أفلاطون وأرسطو مثلا، فارتبطت بكلمة أيقونة icon والتي تشير إلى التشابه والمحاكاة... 

   والصورة لا تأخذ شكلا واحدا فحسب؛ ذلك أنها قد "ترتبط بالصور الإدراكية الخارجية، أو الصور العقلية الداخلية أو تلك الجامعة بين الداخل والخارج، أو الصورة بالمعنى التقني أو الرقمي"¹ وفيما يلي أمثلة من هذه الصور: 

           الصور التشكيليـة: هي صورة تقوم على الخطوط، الأشكال، الألوان والعلاقات. إذا كانت اللغة قائمة على –حسب أندريه مارتيني- على التلفظ المزدوج (المونيمات والفونيمات) لتأدية وظيفة التواصل، فإن اللوحة التشكيلية مبنية بدورها على التلفظ البصري المزدوج: الشكل أو الوحدة الشكلية (Formeme) واللونم أو الوحدة اللونية..."²   

           الصور الكاريكاتورية: "نعني بالصورة الكاريكاتورية تلك الصورة المرسومة أو المنحوتة لشخص ما بغية السخرية منه أو انتقاده أو هجائه، بتشويه صورتـه وهيئته ووجهه، إما باستعمال آلية التضخيم والتكبير والتهويل، وإما باستعمال آلية التقزيم والتصغير والتحقير" ³ 

          الصور الفوتوغرافية: هي الصور التي تلتقط بواسطة آلات التصوير المعروفة. وقد تكون الصور الفوتوغرافية صورا لأشخاص أو مناظر طبيعية أو أشياء عادية يستخدمها الإنسان في حياته أو غير ذلك... والصورة الفوتوغرافية ليست بالضرورة صادقة في تمثيلها للواقع. فقد يتم التلاعب ببعض مكوناتها لأغراض خاصة"⁴ . إنها حسب رولان بارت "انفصال مراوغ للوعي بالهوية"⁵ . 

         الصور الصحفية: "هي الصورة الفنية، البيضاء أو السوداء أو الملونة، ذات المضمون الحالي المهم الواضح والجذاب، المعبرة وحدها أو مع غيرها في صدق وأمانة وموضوعية. وأغلب الأحيان عن الأحداث أو الأشخاص أو الأنشطة أو الأفكار... أو المناسبات المختلفة المتصلة غالبا لتحرير مادة معينة، تنشرها أو تكون صالحة للنشر على صفحات جريدة أو مجلة أو توزعها وكالة الأنباء.... ⁶

     الصور الذهنيــــة: هذا النوع الأخير، يشكل الأساس البنائي لبحثنا، فبواسطتـه سيتم تحديد طبيعة إشكاله وطبيعة النماذج المعرفية التي ستدور في إطاره. لذلك سنولي عناية خاصة لتعريفه. 

    من الملاحظ أن مصطلح الصورة الذهنية، يتضمن كلمتين: 

الصورة: لغــة: جاء في لسان العرب: "صور في أسماء الله تعالـى: المصور وهو الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطـى كل شيء صورة خاصـة وهيئـة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها... والصورة الشكل.. والتصاوير التماثيل.. وفي الحديث: أتاني الليلة ربي في أحسن صورة. قال ابن الأثير: الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته. يقال: صورة الفعل كذا وكذا أي هيئته، وصورة الأمر كذا وكذا أي صفته" 7

      اصطلاحا: "تعرف الصورة بأنها كل تقليد تمثيلي مجسد أو تعبير بصري معاد، وهي معطى حسي للعضو البصري حسب (fulchignoni)، أي أنها إدراك مباشر للعالم الخارجي في مظهره المضيء." ⁸

الذهنيــة: ذهـــن، الذِّهن: "الفهم والعقـــل. والذِّهن أيضا: حفظ القلــب، وجمعهما أذهان. تقـول اجعل ذهنك إلى كذا وكذا. ورجل ذَهِـــــنٌ وذِهْــــنٌ كلاهما على النسب... وفي النوادر: ذَهِنــت كذا وكذا أي فهمتـه.... الجوهري: الذِّهن هو الفطنة والحِفـظ. وفلان يذاهن الناس أي يفاطنهم. والذِّهـن أيضا القوة..." ⁹

     اصطلاحا: تعني كلمة الذهنية "قوة النفس المعدة لاكتساب العلوم التصورية".¹⁰ "إنها ملكـة تتعامل مع المعرفة الفردية والجماعية، تطور من خلالها معاشها، وتحافظ على وجودها وهويتها" ¹¹

     الصورة الذهنيـة إذا، هي الشكل الذي يكونه الذهن في إطار معرفته للأشياء. يعرفها الدكتور أديب خضور بوصفها "مجموعة من الأحكام والتصورات والانطباعات القديمـة والجديدة، الإيجابية منها والسلبية، التي يأخذها شخص (أو جماعة أو مجتمع) عن آخر. ويستخدمها منطلقا وأساسا لتقويمه لهذا الشخـص ولتحديد موقفه إزاءه." ¹²

  إن هذه الصورة الذهنية لا تقتصر بالضرورة على التمثيلات البصريـة فقط، بل هي تجربة داخليـة متكاملـة قد تستحضـر الحواس جميعها (السمع، الذوق، الشم...)، "فمثلا يمكن أن يقوم المرء بتفصيـل أو تنويـع معيـن في صـورة سمعيـة (حاول تكوين صورة لنغمة معروفة جيدا) أو في صورة لمسيـة (صورة تصميم هندسي معين، مثلث مثلا...)"¹³ كما أن هذه الصورة لا تترسخ بالضرورة بشكل واع لدى الفرد، بل إن المتحكم الأساسي فيها هو اللاشعور (unconscious) يرتبط هذا المفهـوم من منظور الطبيب النمساوي سيغموند فرويد –مؤسس التحليل النفسي- بما سماه بنظرية الكبـت repression، يقول فرويد: "إننا نستمد إذن مفهومنا عن اللاشعور من نظرية الكبـت ونعتبر المكبوت كنموذج للاشعور"¹⁴ وقد قسم هذا اللاشعور إلى نوعيـن: "أحدهما يكون كامنا لكنه يستطيع أن يكون شعوريا إذا توفرت شروط معينة، والآخر مكبوت لا يستطيع بذاته وبدون كثير من العناء أن يصبح شعوريا" ¹⁵؛ ذلك أنه يتعرض لقوى تقاومـه وتمنعه من الظهور، غير أن أمر التصدي لهذه القوى المقاوِمـة وجعل الأفكـار المقاوَمَـة شعوريـة أمر ممكن في التحليل النفسي حسب فرويد. 

      والجدير بالذكر، أن العمليات اللاشعوريـة تستند إلـى التفكير بصور بصرية –ذهنيـة- أكثر مما تستند إلى التفكير بالألفاظ. يعتبر فرويد "التفكير بالصور البصريـة، أكثر قربا إلى العمليات اللاشعوريـة من التفكير بالألفاظ، وهو من غير شك أقدم منه سواء من ناحية نشوء الفرد أو نشوء النوع" ¹⁶ وهنا تكمن أهميـة الصور الذهنيـة إذا، إنها تشبه الوعاء الذي يخزن ذكريات وتجارب ورغبات الفرد في شكلها الأصلـي، قبل أن يتدخل الوعـي ويترجمها إلى ألفـاظ. 

    إن هذا الارتباط بين اللاوعي والصورة الذهنيـة أمر أشبه بسيف ذي حدين. حد إيجابي لا يظهـر إلا بوعـي الشخص بوجود صور ذهنيـة لديه بالأساس، ثم الوعـي بالطريقة التي تشكلت بها (ارتبطت بتجارب مثلا، تسللت إليه...)، وكذا إدراك مدى قدرة هذه الصور على توجيه جميع سلوكاته ما لم يتم إخضاعها للمراقبة الواعيـة. أما الحد الثاني فسلبي، يمكن أن تتسلل من خلاله إلى ذهـن الشخص مجموعة من الصور التي قد تعيقه في حياته، عبر ترسيخ صور مرتبطـة بالخوف وضعف تقدير الذات مثلا...الخ. يقول عالم الأعصـاب الألماني جيرالد هوتر في كتابه سلطة الصورة الذهنية: "هناك صورة ذهنية تؤدي إلى اتساع أفق الإنسان واكتشافه للجديد والبحث مع الآخرين عن حلول، بيد أن هناك انطباعات أخرى تولد الخوف وتجبر الإنسان على الانسحاب والتقوقع بعيدا عن عالمـه، وهناك صور ينهل منها الناس الشجاعـة والمثابرة والطمأنينة، إلا أن هناك على صعيد آخر صورا تجعل الإنسان ينزلق إلى هوة اليأس والاستسلام والشك" ¹⁷ ومن هذا المنطلق يمكن أن نقول، إن الصور الذهنـية التي تتشكل لدى الفرد ليست مجرد صور مكبوتة مستقلـة عن الجهاز النفسي للإنسان، بل إنها على العكس تماما، الموجـه الأول والمتحكِّــم الرئيسي في كل ما يصدر عنـه من سلوكات...

     وقد أشار الطبيب الجراح ماكسويل مالتز في كتابـه علم التحكم النفسي إلى وجود هذه العلاقـة فعلا بين الصورة الذهنيـة للإنسان وبين السلوكات الناتجة عنه؛ وذلك بعدما لاحـظ أن معظم المرضـى الذين خضعوا لعمليات تجميل لإخفاء عيب أو تشوه خلقي ما، لم تتغير نظرتهم لذواتهم. أي أنهم لايزالون يعيشون بالمشاعر نفسها التي كانوا يعيشون بها قبل إجراء عمليـة التجميل، فمنهم من ظل مستمرا بشعور نقص تقدير الذات، ومنهم من استمر بالعزلـة عن الناس بسبب عدم رضاه عن شكله القديم، بل ومنهم من لا يزال يرى نفسه قبيحا حتـى بعد التخلص من شكله القديم... الأمر الذي جعل مالتز يتساءل عن السبب الحقيقي الذي يجعل الإنسان يتصرف على نحو معين بالرغم من عدم وجود مبرر واضح لذلك. وينتقل من فكرة "إن إعادة بناء الصورة الجسديـة نفسها لم تكن المفتاح الحقيقي للتغيرات في الشخصية، وكان هناك شيء آخر يتأثر عادة بجراحات الوجه" ¹⁸

     لقد حدد مالتز هذا المحرك الخفـي الذي يوجه سلوكات مرضاه بدون وعي منهم بعد القيام بأبحاث كثيرة، وتوصـل إلى دور الصورة الذهنيـة التي يمتلكها هؤلاء تجاه أنفسهم في تحريك سلوكاتهم. يقول في هذا السياق: "كان الأمر كما لو أن الشخصيـة نفسها لها وجه. يبدو أن هذا الوحه الشخصي غير المادي هو المفتاح الحقيقي لتغيير الشخصية. فإذا ظل مشوها أو قبيحا أو أقل شأنا، فإن الشخص نفسه يتصـرف. يخرج هذا الدور في سلوكـه بغض النظر عن التغييرات في المظهر الجسدي. إذا كان من الممكن إعادة بناء وجـه الشخصية هذا، إذا كان من الممكن إزالة الندبات العاطفية القديمـة، فإن الشخص نفسه قد تغيـر، حتى بدون جراحة تجميل الوجـه. بمجرد أن بدأت في الاستكشاف في هذا المجال وجدت المزيد والمزيد من الظواهـر التي تؤكـد حقيقـة أن الصورة الذاتيـة، أي المفهوم العقلي والروحي للفرد أو الصورة عن نفسـه، هي المفتاح الحقيقـي للشخصية والسلوك..." ¹⁹

     تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن الصـور الذهنيـة للفرد تمثل قوة فاعلـة داخل الجهـاز النفسي، إنها تستمد قوتها من كونها ترتبط باللاشعـور بالدرجـة الأولـى. وعليـه، فإنها قوة خفيـة تحرك سلوكات الإنسان إيجابا أو سلبا دون أن يتنبه لهذا الأمـر، فتشكل نظرته لذاتـه وللآخرين سواء على أساس منطقـي أو غير ذلك.

     *قائمة المصادر والمراجع*

1_ عصر الصورة السلبيات والايجابيات تأليف د. شاكر عبد الحميد. عالم المعرفة. سلسلة كتب ثقافية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت. 1978. ص 10.

2_ سيميائية الصورة، فدور عبد الله ثاني، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان الأردن، ط1، سنة 2007م. ص 26

3_ أنواع الصورة، جميل حمداوي، جامع الكتب الإسلامية. ص 12.

4_ عصر الصورة. السلبيات والايجابيات تأليف د شاكر عبد الحميد. عالم المعرفة. سلسلة كتب ثقافية شهرية للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت. ع 311 ص 15.

5_

الغرفة المضيئة. رولان بارت ترجمة هالة نمر مراجعة أنور مغيث ط 1. 2010. ص 16.

6_ سيميائية الصورة، مغامرة سيميائية في أشهر الإرساليات العربية في العالم، قدور عبد الله ثاني. تقديم طاهر عبد المسلم تيري لونسيان. ص 204.

7_لسان العرب، ابن منظور، دار المعارف 1119 كورنيش النيل –القاهرة ج.م.ع ط جديدة. تحقيق عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي. ص 2523

8_ حميد سيلاسي. ما هي الصورة؟ موقع سعيد بنكراد، مجلة علامات، العدد 5، 1996.

http://saidbengrad.free.fr/al/n5/14.htm

9_ لسان العرب، ابن منظور، دار المعارف 1119 كورنيش النيل –القاهرة ج.م.ع ط جديدة. تحقيق عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي. ص 1524.

10_ تنمية الذهن، العنصر الغائب في مشروع التنمية في العالم العربي. مجلة الكلمة. الدكتور بن أحمد قويدر، 11-08- 2019. 07:03.

11_ المرجع السابق. 

12_ الصورة الذهنية في العلاقات العامـة. د باقر موسى. دار أسامة للنشر والتوزيع الأردن عمان. ط 1. 2014م. ص 56.

13_ عصر الصورة السلبيات والايجابيات. د شاكر عبد الحميد. عالم المعرفة. سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت. يناير 2005. العدد 311. ص 11.

14_ الأنا والهو، سيغموند فرويد. ترجمة د. محمد عثمان نجاتي. دار الشروق ط 4. 1982. ص 24.

15_ المرجع السابق ص 24

16_ المرجع السابق ص 33

17_ سلطة الصورة الذهنية. كيف تغير الرؤى العقل والإنسان والعالم. ترجمـة علا عادل. ط 1. 2014م. ص 08.

18_ علم التحكم النفسي. ماكسويل مالتز. برنتيس هول. انجليوود كليفس نيوجيرسي 1960. ص 16.

19_ المرجع السابق ص 17