شهد ملعب “ستاد دو فرانس” بباريس، خلال مباراة ودية جمعت المنتخب السنغالي بنظيره البيروفي، واقعة أثارت نقاشًا يتجاوز حدود التباري الرياضي إلى تخوم القانون والسيميائيات. فقد أقدم الجانب السنغالي على عرض كأس إفريقيا في المنصة الشرفية، في سياق يأتي بعد جدل قانوني وتأديبي مرتبط باللقب على مستوى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ؛ ويكتسب هذا الحدث أهميته من كونه وقع في فضاء دولي محايد وخلال مناسبة غير رسمية، مما حمّله دلالات تتجاوز البعد الاحتفالي، ليُقرأ كفعل رمزي يعكس توترًا مستمرًا حول الشرعية، وينقل الخلاف من مجاله القانوني المؤطر إلى مجال التعبير غير المباشر عبر الرموز داخل الفضاء العمومي الرياضي.
ويمكن مقاربة هذا الحدث من زاويتين متكاملتين: زاوية قانونية صِرفة، وأخرى سيميائية تكشف عن المعنى العميق لما جرى بوصفه فعلًا رمزيًا يتجاوز مجرد واقعة بروتوكولية.
من الناحية القانونية، يندرج هذا السلوك ضمن ما يمكن تسميته بـ”محاولات التأثير غير المباشر على السلطة التحكيمية والتأديبية”. فالقانون الرياضي الدولي، المستمد من القواعد القانونية والأعراف والتقاليد القانونية والإجتهاد القضائي الكوني ، وابذي يحظر أي محاولة لتحقير المقررات ، وتم تبنيها ، سواء عبر لوائح “الكاف” أو الفيفا، لا يقتصر على ضبط الأفعال داخل رقعة اللعب، بل يمتد إلى حماية هيبة القرارات الصادرة عن الهيئات المختصة ؛ وفي هذا الإطار، تظل القاعدة العامة واضحة: احترام المقررات القضائية والتحكيمية لا يقتصر على الامتثال لها، بل يشمل الامتناع عن كل ما من شأنه التشكيك في مشروعيتها أو تحقيرها بشكل مباشر أو ضمني ؛ وعليه، فإن الإصرار على عرض الكأس في سياق احتفالي غير رسمي، رغم وجود قرار تأديبي أو تحكيمي سابق بشأنه، قد يثير إشكالات قانونية تتعلق بـ:
المساس بهيبة هيئة رياضية قارية؛ وعدم الامتثال لروح القرار التأديبي؛ أو توصيف السلوك كسلوك غير رياضي ذي بعد مؤسساتي، وليس مجرد تصرف معزول ؛ فالمسألة هنا لا تتعلق بالفعل في حد ذاته بقدر ما ترتبط بسياقه ودلالته؛ إذ يتحول عرض الكأس من مجرد إجراء بروتوكولي إلى خطاب ضمني يعيد طرح سؤال الشرعية خارج القنوات القانونية، وهو ما قد تعتبره لجان الانضباط نوعًا من الضغط الرمزي أو الالتفاف على قرار حُسم.
أما سيميائيًا، فنحن أمام ما يمكن تسميته بـ”مسرحة الاعتراض”.
الكأس في هذا السياق لم يعد مجرد موضوع مادي، بل تحول إلى “علامة” تُعاد تعبئتها بدلالات جديدة ، فوضعه في المنصة الشرفية يُحيل إلى إعادة ادعاء رمزي للشرعية؛وبالتالي فالسياق العام يحوّل الحدث إلى فضاء للتعبير غير المباشر عن موقف معارض للقرار ؛ وبهذا المعنى، يتحول الفعل إلى خطاب موازٍ يقول دون تصريح: “الشرعية ما زالت محل نزاع”، وهو ما ينسجم مع ما تصفه السيميائيات السياسية بالاحتجاج عبر العلامات بدل التصريح المباشر ؛ غير أن هذا التعبير الرمزي يصطدم بحدود قانونية واضحة، لأن المجال الرياضي فضاء مُقنَّن، حيث الرموز يمكن أن تُكيّف كأفعال؛ والإشارات قد تُفهم كمواقف رسمية ، والسلوكيات البروتوكولية قد تُنتج آثارًا تأديبية ؛ وفي المحصلة، نحن أمام حالة دالة على التنازع بين الشرعية القانونية والشرعية الرمزية ؛ فالشرعية القانونية تُحسم داخل المؤسسات ؛ بينما تحاول الشرعية الرمزية إعادة إنتاج نفسها عبر الفضاء العمومي والفرجوي ؛ وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الإفريقي: ليس فقط في إنفاذ قراراته، بل في حماية معناها من التآكل الرمزي. لأن أخطر ما قد يواجه المؤسسات ليس خرق القرار بشكل مباشر، بل إعادة تأويله أو التشكيك فيه عبر أفعال رمزية توحي باستمرار النزاع ؛ وبصيغة أكثر تركيبًا ضمن أفق التفكير النقدي التوقعي: ما حدث لا يمكن اختزاله في كونه استفزازًا رياضيًا عابرًا، بل هو مؤشر على انتقال النزاع من مجاله القانوني إلى مجال “حرب السرديات”، حيث تُستعمل الرموز لإعادة التفاوض حول الشرعية والمعنى خارج المساطر الرسمية ؛ وهو ما يوجب على الدبلوماسية المغربية ان تكون حذرة منه جدا ، فمنطق التسويات يقتضي إستحضار مبدأ السيادة والكرامة الوطنية وصون المكتسبات السياسية والإعلامية ذات الوقع الحقيقي والمصلحة الوطنية ، وهذا يتطلب مراعاة الكلفة بجميع أصنافها وتداعياتها السوسيوسيكولوجية .
وفي هذا السياق الأوسع، يكتسب الحسم القانوني النهائي لأي نزاع حول اللقب بعدًا يتجاوز التتويج الرياضي في حد ذاته؛ إذ إن حصول المغرب على هذا اللقب من شأنه أن يشكل لحظة فاصلة تقطع مع مختلف سرديات التشكيك التي تغذيها بعض البيئات الكروية الإقليمية. فالأمر لا يتعلق فقط بمعادلة عدد الألقاب القارية مع بعض المنافسين، بل بإعادة ترتيب موازين الشرعية الرمزية استنادًا إلى منجزات ميدانية وقانونية متراكمة، مدعومة بنتائج دولية وازنة في مختلف الفئات.
وعليه، فإن هذا التتويج المحتمل قد يُسهم في تفكيك آخر مرتكزات الخطاب المشكك، الذي ظل يستند إلى عناصر تفسيرية ظرفية، في مواجهة تجربة كروية مغربية باتت تفرض نفسها كمعطى بنيوي يصعب اختزاله أو الطعن في مشروعيته بالإستعمال التعسفي لما يزعم انه عقدة الخمسين سنة من عدم التتويج باللقب الأفريقي .






