تتجاوز مستويات كرم الدولة كل المقاييس حين يتعلق الأمر بالأغنياء، وتكون أكثر دقة وتحديدا بالأرقام حين يتعلق الأمر بالمواطن العادي الذي يستفيد مما تبقى من صندوق المقاصة أو ما يصرف في مجال الدعم المباشر والتغطية الاجتماعية. ولنا في مواجهة الكوارث الطبيعية منذ زلزال الحوز إلى فيضانات الغرب واللوكوس أكبر دليل على تفاوتات الدعم للفقراء مقارنة بالهدايا الكبيرة الدائمة والسنوية لكبار الأغنياء في كل القطاعات. ويكفي أن تفرج الحكومة عن الأرقام الحقيقية لكي تظهر حقيقة ما يسمى بمبدأ الشفافية. لا نحتاج للمدعوين بمقابل لاستوديوهات التلفزيون لكي يتجنبوا قول الحقيقة حول شفافية تدبير المال العام.
نعم لقد تمت زيادات في حجم التمويل لعدة قطاعات. وقال الناطقون باسم أحزاب الحكومة إن الدعم الموجه لآثار التضخم قد جاوز أكثر من 90 مليار درهم بين 2022 و2024، وأن مواجهة الجفاف كلفت 20 مليار درهم. ولأن التدبير الحكومي يركز على الأرقام دون متابعة الآثار المترتبة على القوة الشرائية الحقيقية للمواطنين، فقد تم التركيز على تراجع التضخم دون تحليل مكوناته المرتبطة بما يصرفه المواطن على تغذية أسرته يوميا أو ما تتطلبه من مصاريف طبية.
نعرف أن معدل التضخم يشمل تطور أسعار أغلبها يرتبط بالعقار والتجهيزات التي لا يمكن أن تؤشر على ما تتطلبه الحاجيات اليومية، وخصوصا ما يتعلق بالغذاء وبالولوج إلى الخدمات الصحية. وتفرض البطالة نفسها كمعركة خسرتها الحكومة رغم الوعود، ورغم أموال صرفت على برامج "أوراش وفرصة" التي تم تسويقها وتقديمها كحلول سحرية انتهى مفعولها دون نتائج. لا زال مستوى البطالة يقترب من 14%، ولا زال هذا المؤشر يتفاقم ليصل إلى حوالي 35% بالنسبة للشباب.
وزادت موارد الدولة الموجهة للولوج إلى السكن، لكنها حرمت جزءا كبيرا ممن حاولوا الحصول على دعم لاقتناء مساكن في أحياء شعبية لا تستجيب لشرط ربط الدعم بالمنازل الجديدة. وهكذا تحول الدعم للشركات العقارية التي طوق بعضها الولوج إلى السكن بشروط استمرار "الأسعار غير المعلنة والأموال السوداء". وتم حرمان من لم تكن لهم قوة على مواجهة الفساد.
ولا زالت آثار محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية غير ظاهرة للعيان. صرفت الأموال بالملايير، وظننا أن السجل الاجتماعي الموحد قد يكون أداة لإعادة النظر في سياسة الدعم الاجتماعي عبر الاستهداف العلمي الموثق للمحتاجين، لكن، ورغم أهمية هذا الدعم، تظل الحاجة ملحة لتقييم حكامته بجدية كبيرة. ولا زال الولوج إلى السكن والصحة والسوق في محطات انتظار.
تزداد المؤشرات الماكرو اقتصادية توافقا مع تقييم المؤسسات المالية الدولية، وتزداد معها الضغوطات المتعلقة بالواقع المعيشي للكثير من المواطنين.
عاش المغرب مخاضا سياسيا قبل حوالي 15 سنة، وتوازى هذا المخاض مع ربيع عربي قبل حلول فصل الربيع. يمكن القول إن قواعد توالي الفصول قد لا تكون على نفس إيقاع الحركات الاجتماعية والسياسية. تبين لاحقا أن الولايات المتحدة وبعض شركائها الأوروبيين قد درسوا واقع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ووجدوا أنه من الممكن الاستفادة من هشاشة كثير من الأنظمة التي استهدفت رغم أنها لم تكن على عداوة مع النظام العالمي، ولم تكن تعادي مصالح أمريكا وأوروبا.
وحدث بالفعل ما لم يتوقعه كثير من رؤساء وأمراء وملوك هذه المنطقة الجغرافية. توسعت رقعة الحركات الاحتجاجية في تونس ومصر والكويت والسعودية، ووصلت إلى المغرب. التحقت فئات من الشباب واليافعين بحركة الاحتجاج، وجنح بعضهم إلى الاعتداء على الممتلكات وأعمال شغب أضرت بتجهيزات عمومية وبسيارات تمتلكها أسر تقطن في الأحياء الشعبية.
ظهر منذ أول يوم من الاحتجاج أن ما سمي بحركة 20 فبراير لم تكن لها قيادات موحدة ولا مطالب محددة، فضاعت المطالب في نقاشات ومزايدات افتقدت للوعي وتوحيد الخطاب، ولهذا تلاشت بسرعة.
فطنت الدولة إلى أهمية الحوار والإصلاح الدستوري بعد أحداث 20 فبراير، وتم تجنيد بعض الخبراء لتعديل الدستور. عملوا بكثير من الجهد الذي تجاوز ما كانوا مطالبين به، ثم عدنا إلى ما كنا عليه من صراع "فقهي" لقراءة حقيقة مضمون وحمولة المادة الدستورية.
ويظل الناجحون في زعزعة التوازنات الاجتماعية وحتى الماكرو اقتصادية هم من يستفيدون من خيرات الوطن من ضرائب وبحار وموانئ وقوانين للاستثمار وفلاحة وطاقة ومعادن ومواد أولية. هؤلاء يحتلون الأحزاب ويصبحون ناطقين باسمها، ويكتبون كل القوانين في قبة البرلمان.
ينسفون بقوة العدد كل دفاع عن دور المجتمع المدني في الدفاع عن القانون والحريات، ويبررون الاغتناء السريع وغير المشروع. هم لا يدافعون عن المقاولين الحقيقيين الذين يصنعون القيمة المضافة ومناصب الشغل، لكنهم يشتغلون على منابع الربح السريع الآتي من تشريع مستقبلي لا يطلع على أرباحه إلا الراسخون في العلم بما سيأتي من منافع مضمونة تزيح كل منافسة.
وقد ردد الصدى ما تم قوله داخل ردهات البرلمان من استغلال كبير لمعلومات مسبقة قصد الفوز بصفقات مليارية، خصوصا في مجال الطاقة وتحلية مياه البحر .
وكانت حكومة بن كيران، أو لنقل بعضا منها، تواجه انتقادات مؤسسات الحكامة، بينما تنعم حكومة أخنوش بسلم مؤسساتي، وتستمر في إغراقنا بأرقام حول التغطية الاجتماعية، بينما يظل واقع الولوج إلى الخدمات الصحية هو مقياس النجاح الحقيقي.
ويبقى السبيل إلى العلاج هو القدرة على الأداء المالي المسبق قبل الحصول على خدمة صحية، مع مواعيد في المستشفى العمومي تصل إلى شهور من الانتظار.
سؤال كبير يجب أن تجيب عنه الحكومة: ماذا فعلتم من أجل مريض قيل له في مستشفى عمومي "موعدك بعد سنة"، وقيل له في مستشفى خاص "ادفع آلاف الدراهم قبل الاستشفاء"؟
هذه هي حقيقة تنزيل أكبر مشروع عرفه المغرب في مجال التغطية الاجتماعية والصحية. وسيستمر الضغط على من لا قدرة له، وسيستمر مسلسل تسليع الصحة والتعليم، وسيستمر إضعاف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
والسلام عليكم أيها الآيلون للسقوط مثل جدران منازلهم. قد تتغلبون على من تم استغلالهم بقوة سيطرتكم على شبكات السمسرة الانتخابية، ولكنكم ستظلون خطرا على الوطن.






