بين أن يشتغل العقل أو يشتغل اللسان يكمن التقدم والتخلف، ويتحقق الإنجاز أو يتكرس العجز، ويتجلى الربح أو تتكرس الخسارة.
في كثير من الأمور تتفوق أمم الأرض لأنها تفكر بعقل العمل لا بعقل الخطابة، وبعقل المؤسسات لا بعقل الأفراد.
في خريطة منطقتنا من المحيط إلى المحيط، بدل أن تشتغل العقول المتعددة يتم الإفراط في تشغيل اللسان الفردي، خاصة إذا كان متمكناً من لغة القوم ووتر عواطفهم، إلى درجة أن هناك من يعتقد أن الفصاحة في القول والضرب بالعصا فوق المنبر تعني القدرة على الإنجاز! وهي في أقصى الحالات تطرد النوم عن الأتباع مخافة فساد الوضوء.
وأيضاً، وهو الغالب، أن الخطاب أمام الميكروفونات وعلى منصات الأحزاب قد يصل ببعض الناس إلى كراسٍ سياسية، لا يحقق بها أكثر من متع عابرة، وصورة من الأنا المتضخمة، معتقداً أنه يصنع التاريخ، وهو لا يدري أنه مجرد أداة بسيطة فيه، وأن هذا التاريخ لا يشعر حتى بوجوده، وكما يقول في نظرية القياس: ensemble négligeable، مجموعة ضئيلة.
إن من الغفلة، بل الأدهى، توهم صناعة وتغيير الواقع دون قدرة على فهمه واكتشاف قوانين الفعل فيه، وجمع أسباب التغيير المتعددة. هذا الواقع العالمي الذي يومياً نبتعد عن التأثير فيه، ويُحجب عنا جميعاً، لأن الكثير من الأسماء مهووسة بصناعة الأتباع، سواء الجماعات أو الأحزاب، وربما كان هؤلاء الأتباع لا يحسنون حتى فهم ما يقال لهم، فكيف تصريفه إلى مشاريع وإنجاز عملي.
إن فكرة تكثير السواد بدل النخب والعقول فكرة تاريخية تسربت من منصات وروافد اجتماعية متعددة، كان هدفها المعلن أو الخفي تحقيق الغلبة والاستعداد ليوم الحسم، وانتصار الأتباع "الأخيار" على المخالفين "الأشرار"، وكل ذلك قبل مجيء زمن شبكات التواصل وعصر الرقمنة، واعتماد الناس على الاختيار، أصابوا أم أخطأوا في ذلك.
رغم أن الأمر من المعلوم والبديهي، بحيث كلما تقلصت زاوية النظر بسبب التفكير الأحادي المصدر، كلما أصيب الإنسان بالعمى، فـ360 درجة تحتاج إلى مجموعات متكاملة من التفكير وفرق العمل. أقول: رغم هذه الحقيقة البديهية التي تؤكد أنه انتهى زمن الأفراد مهما كانت قدراتهم، وخاصة في زمن الذكاء الاصطناعي الذي هو أحد تجليات اشتغال العقول المتعددة، والمعارف المتكاملة، والعلوم بكل منابعها، لا يزال الكثير يحرصون كل الحرص على صناعة "الأصنام" الفردية، ولا يزالون يؤمنون أن الخلاص على يد "عنترة"، وبالتالي يعود سؤال تجاوزه الزمن:
"أين صلاح الدين؟"
سؤال يلخص العجز بكل عناصره، والغباء بكل رصيده، ففي زمن المؤسسات تسكننا ثقافة الاستبداد، لأنها تتوهم أن الحل بيد شخص قادم من وراء الحجب، وتعتقد أن الخلاص اسمه شخص، وننسى أن الخلاص بيد "أمة/وطن".
خلاصة الأمر، في هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها، قليل من القول مع كثير من العمل الجاد المسؤول هو ما يصنع الفارق، وأعلم من خلال الرياضيات أن مجموع n/1 يعطي اللانهاية رغم قيمته في الصغر، ذلك أن التراكم المنتظم والتأطير الحكيم، الذي لا يتم في زماننا إلا بالمؤسسات، هو ما يوجد بأيدينا اليوم، وأن الأنا الفردية لا مستقبل لها.






