تشهد الساحة الوطنية نقاشا متزايدا حول فعالية السياسات العمومية في المغرب، في ظل سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واتساع رقعة الهشاشة.
وبين الخطاب الرسمي الذي يؤكد على تعميم الحماية الإجتماعية وتعزيز الإدماج الإقتصادي، والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن، تتسع فجوة تطرح تساؤلات عميقة حول جدوى هذه السياسات وقدرتها على تحقيق الأثر المطلوب.
ويعد ارتفاع أسعار المحروقات من أبرز العوامل التي ساهمت في تفاقم الأوضاع المعيشية، إذ لم يعد تأثيرها مقتصرا على كلفة التنقل فقط، بل امتد ليشمل مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع. هذا الإرتفاع ينعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، مما يضع الأسر تحت ضغط متزايد، ويسرع من وتيرة اتساع الهشاشة الإجتماعية.
كما أن اتساع رقعة الهشاشة بات يشكل مؤشرا مقلقا على تحولات بنيوية عميقة داخل المجتمع المغربي، حيث لم تعد الهشاشة مقتصرة على الفئات المعوزة فقط، بل بدأت تمتد لتشمل شرائح من الطبقة المتوسطة التي تجد نفسها تحت ضغط متزايد بفعل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، هذا الإمتداد يعكس، في العمق، هشاشة الدخل أمام تقلبات الأسعار، وضعف آليات الحماية، مما يجعل فئات واسعة مهددة بالإنزلاق نحو أوضاع اجتماعية أكثر هشاشة في ظل غياب تدخلات كفيلة بامتصاص الصدمات الإقتصادية وضمان حد أدنى من الإستقرار المعيشي.
ورغم إطلاق عدد من البرامج الإجتماعية، فإن أثرها لا يزال محل تساؤل لدى فئات واسعة من المواطنين، خصوصا في ظل صعوبات الولوج وضعف الإستهداف، إلى جانب غياب تقييم شفاف ودوري لمدى نجاعتها، ويكشف هذا الوضع عن إشكالية بنيوية تتعلق بطريقة تصميم السياسات العمومية، حيث يغلب الطابع الفوقي في اتخاذ القرار، مقابل محدودية إشراك الفاعلين المحليين والمواطنين في تحديد الأولويات.
كما أن تشتت البرامج وتعدد المتدخلين، إلى جانب استمرار الفوارق المجالية، يحد من فعالية هذه السياسات ويضعف أثرها.
ولا يزال جزء مهم من الفئات الهشة، خاصة في القطاع غير المهيكل، خارج نطاق الإستفادة الكاملة، مما يطرح تحديات حقيقية أمام تحقيق العدالة الإجتماعية، وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي ساهمت، منذ إطلاقها، في التخفيف من حدة الفوارق الإجتماعية والمجالية، ودعم عدد من الفئات الهشة عبر مشاريع مدرة للدخل وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية... ولولا وجود هذه المبادرة، لكانت حدة الإختلالات الإجتماعية أكثر عمقا واتساعا، غير أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تطوير آليات اشتغالها وتعزيز تكاملها مع باقي السياسات العمومية لضمان أثر أكثر استدامة ونجاعة.
وفي سياق متصل، يبرز ضعف قنوات التواصل والإنصات إلى هموم المواطنين، خاصة في المناطق القروية والجبلية، كأحد أوجه القصور التي تحد من فعالية السياسات العمومية. فرغم تعدد البرامج والمبادرات، يشعر جزء واسع من السكان في هذه المناطق بالتهميش، ليس فقط على مستوى الولوج إلى الخدمات، بل أيضا في ما يتعلق بإيصال أصواتهم وانشغالاتهم إلى مراكز القرار، ويؤدي هذا الغياب النسبي للإنصات إلى اتساع فجوة الثقة، حيث تتشكل لدى المواطنين قناعة بأن السياسات الموجهة إليهم لا تعكس بالضرورة أولوياتهم الحقيقية، كما أن ضعف البنيات التحتية الرقمية وصعوبة الوصول إلى المعلومة يزيدان من تعميق هذا الإحساس بالعزلة، مما يستدعي اعتماد مقاربات تشاركية أكثر انفتاحا، تضمن إشراك الساكنة المحلية في تشخيص الحاجيات وصياغة الحلول، وتعزز العدالة المجالية والتماسك الإجتماعي.
وفي موازاة ذلك، تبرز بطالة الشباب كأحد أكثر التحديات إلحاحا، حيث يواجه عدد كبير من خريجي الجامعات والمعاهد صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل، رغم مؤهلاتهم، ويعكس هذا الوضع اختلالا هيكليا في النموذج الإقتصادي، الذي لا يخلق فرص شغل كافية ولا يواكب التحولات الإجتماعية. كما أن انتشار الشغل الهش يزيد من تعقيد الوضع، ويضعف الإحساس بالإستقرار.
في هذا الإطار، تبرز الحكامة الجيدة كضرورة ملحة، تقوم على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان توزيع عادل للموارد والفرص، كما تقتضي اعتماد مقاربة مندمجة، تراعي الترابط بين الأبعاد الإقتصادية والإجتماعية، وتعزز الإنصات لمطالب المواطنين.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للإعلام المهني المسؤول، الذي يشكل رافعة أساسية لتأطير النقاش العمومي، وكشف الإختلالات، ونقل صوت الفئات المتضررة، بما فيها الطبقة المتوسطة التي بدأت تعبر بشكل متزايد عن مخاوفها من التدهور. كما يساهم الإعلام، من خلال التحليل الرصين، في تعزيز الوعي الجماعي ودعم ثقافة المساءلة.
في الأخير فإن التحولات الراهنة تكشف عن تحديات مركبة تتجاوز مجرد غلاء المعيشة، لتشمل إعادة تشكيل البنية الإجتماعية نفسها، وبين اتساع الهشاشة، وتراجع مكانة الطبقة المتوسطة، واستمرار بطالة الشباب، يظل التحدي الأكبر هو بناء سياسات عمومية أكثر إنصافا وفعالية، قادرة على حماية الفئات الهشة، والحفاظ على توازن المجتمع، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسات.






