صرف المغرب منذ 2021 أكثر من حوالي 5 آلاف مليار درهم من أجل تدبير مصاريف ميزانياته العمومية و تلك التي تتعلق بالمؤسسات و المقاولات العمومية. يعتبر هذا الرقم كبيرا بكل المقاييس . قد تكون أرقام بنك المغرب أكثر دقة في مجالات العجوزات الميزانياتية و تلك التي تتعلق بالحسابات الخارجية، و في ما تؤدي إليه في مجال زيادة حجم المديونية بشقيها الداخلي و الخارجي ، و الذي يقدر حاليا بحوالي ما يعادل 130 مليار دولار. تتجاوز مستويات كرم الدولة كل المقاييس حين يتعلق الأمر بالأغنياء، و تكون أكثر دقة و تحديدا بالأرقام حين يتعلق الأمر بالمواطن العادي الذي يستفيد مما تبقى من صندوق المقاصة أو ما يصرف في مجال الدعم المباشر و التغطية الإجتماعية. و لنا في مواجهة الكوارث الطبيعية منذ زلزال الحوز إلى فيضانات الغرب و اللوكس أكبر دليل على تفاوتات الدعم للفقراء مقارنة بالهدايا الكبيرة الدائمة و السنوية لكبار الأغنياء في كل القطاعات. و يكفي أن تفرج الحكومة عن الأرقام الحقيقية لكي تظهر حقيقة ما يسمى بمبدأ الشفافية. لا نحتاج للمدعوين بمقابل لاستديوهات التلفزيون لكي يتجنبوا قول حقيقة حول شفافية تدبير المال العام. نعم لقد تمت زبادات في حجم التمويل لعدة قطاعات. و قال الناطقون بإسم أحزاب الحكومة أن الدعم الموجه لأثار التضخم قد جاوز أكثر من 90 مليار درهم بين 2022 و 2024. و أن مواجهة الجفاف كلفت 20 مليار درهم . و لأن التدبير الحكومي يركز على الأرقام دون متابعة الآثار المترتبة على القوة الشرائية الحقيقية للمواطنين، فقد تم التركيز على تراجع التضخم دون تحليل مكوناته المرتبطة بما يصرفه المواطن على تغدية أسرته يوميا أو ما تتطلبه من مصاريف طبية . نعرف أن معدل التضخم يشمل تطور أسعار أغلبها يرتبط بالعقار و التجهيزات التي لا يمكن أن تؤشر على ما تتطلبه الحاجيات اليومية، و خصوصا ما يتعلق بالغذاء و بالولوج إلى الخدمات الصحية. و تفرض البطالة نفسها كمعركة خسرتها الحكومة رغم وعود، و رغم أموال صرفت على برامج " أوراش و فرصة" التي تم تسويقها، و تقديمها كحلول سحرية انتهى مفعولها دون نتائج. لا زال مستوى البطالة يقترب من 14 % . ولا زال هذا المؤشر يتفاقم ليصل إلى حوالي 35% بالنسبة للشباب. و زادت موارد الدولة الموجهة للولوج إلى السكن، لكنها حرمت جزءا كبيرا ممن حاولوا الحصول على دعم لاقتناء مساكن في أحياء شعبية لا تستجيب لشرط ربط الدعم بالمنازل الجديدة. و هكذا تحول الدعم للشركات العقارية التي طوق بعضها الولوج إلى السكن بشروط استمرار " الأسعار غير المعلنة و الأموال السوداء " . و تم حرمان من لم تكن لهم قوة على مواجهة الفساد.
و لا زالت آثار محاربة الفوارق الإجتماعية و المجالية غير ظاهرة للعيان. صرفت الأموال بالملايير، وظننا أن السجل الإجتماعي الموحد قد يكون أداة لإعادة النظر في سياسة الدعم الإجتماعي عبر الاستهداف العلمي الموثق للمحتاجين، لكن ، و رغم أهمية هذا الدعم ، تظل الحاجة ملحة لتقييم حكامته بجدية كبيرة . و لا زال الولوج إلى السكن و الصحة و السوق في محطات الإنتظار محطة إنتظار. تزداد المؤشرات الماكرواقصادية توافقا مع تقييم المؤسسات المالية الدولية، و تزداد معها الضغوطات المتعلقة بالواقع المعيشي للكثير من المواطنين.
عاش المغرب مخاضا سياسيا قبل حوالي 15 سنة. و توازى هذا المخاض مع ربيع عربي قبل حلول فصل الربيع. يمكن القول بأن قواعد توالي الفصول قد لا تكون على نفس إيقاع الحركات الإجتماعية و السياسية. تبين لاحقا أن الولايات المتحدة و بعض شركاءها الأوروبيين قد درسوا واقع منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، و وجدوا أنه من الممكن الإستفادة من هشاشة كثير من الأنظمة التي استهدفت رغم أنها لم تكن على عداوة مع النظام العالمي، و لم تكن تعادي مصالح أمريكا و أوروبا. و حدث بالفعل ما لم يتوقعه كثير من رؤساء و أمراء و ملوك هذه المنطقة الجغرافية. توسعت رقعة الحركات الاحتجاجية في تونس و مصر و الكويت و السعودية، و وصلت إلى المغرب. التحقت فئات من الشباب و اليافعين بحركة الاحتجاج ، و جنح بعضهم إلى الاعتداء على الممتلكات و لأعمال شغب أضرت بتجهيزات عمومية و بسيارات تمتلكها أسر تقطن في الأحياء الشعبية. ظهر منذ أول يوم من الاحتجاج أن ما سمي بحركة 11 فبراير لم تكن لها قيادات موحدة و لا مطالب محددة ، فضاعت المطالب في نقاشات و مزايدات افتقدت للوعي و لتوحيد الخطاب. و لهذا تلاشت بسرعة عكس تلك التي قادت الاحتجاجات في مصر و تونس ، و تلك التي ستأخذ طابعا عسكريا في سوريا و العراق عبر داعش ذات الدعم الغربي الممول بأموال أكثرها خليجي . و يعترف الرئيس الأمريكي السابق أوباما في مذكراته ، بقيادة غير مباشرة للاستخبارات الأمريكية لكل ما جرى . و حاولت نفس القوى سرقة آمال الشباب عبر خوارزميات تتولاها المخابرات الغربية لصنع التغيير بالتركيز على جيل " زيد" الذي زج ببعض رموزه في السجن. و كالعادة تسرب العنف إلى مظاهرات كانت سلمية، لكنها لم تسلم من تدخل ذوي الميول التخريبية.
فطنت الدولة إلى أهمية الحوار و الإصلاح الدستوري بعد أحداث 20 فبراير. و تم تجنيد بعض الخبراء لتعديل الدستور. عملوا بكثير من الجهد الذي تجاوز ما كانوا مطالبين به . ثم عدنا إلى ما كنا عليه من صراع " فقهي " لقراءة حقيقة مضمون و حمولة المادة الدستورية. و وصل بعض الأساتذة، من قدماء طلبة كلية الحقوق، إلى المجلس الدستوري ، فقاموا بما يتوجب عليهم من قراءة. و لكنهم ابلوا البلاء الحسن في تدبير قضايا تتعلق بإسقاط العضوية في البرلمان و في رفض مقتضيات قانونية تعارض روح الدستور.
و يظل الناجحون في زعزعة التوازنات الإجتماعية و حتى الماكرواقصادية هم من يستفيدون من خيرات الوطن من ضرائب و بحار و موانئ و قوانين للإستثمار و فلاحة و طاقة و معادن و مواد أولية. هؤلاء يحتلون الأحزاب و يصبحون ناطقين باسمها، و يكتبون كل القوانين في قبة البرلمان. ينسفون ، بقوة العدد ، كل دفاع عن دور المجتمع المدني في الدفاع عن القانون و الحريات، و يبررون الاغتناء السريع و غير المشروع. هم لا يدافعون عن المقاولين الحقيقيين الذين يصنعون القيمة المضافة و مناصب الشغل. و لكنهم يشتغلون على منابع الربح السريع الآتي من تشريع مستقبلي لا يطلع على أرباحه الا الراسخون في العلم بما سيأتي من منافع مضمونة تزيح كل منافسة. و قد ردد الصدى ما تم قوله داخل ردهات البرلمان من إستغلال كبير لمعلومات مسبقة قصد الفوز بصفقات مليارية ، خصوصا في مجال الطاقة و تحلية مياه البحر . و قد أصاب البكم كثيرا من آليات الرقابة و الحكامة، و لم تنبس ببنت شفة حفاظا على شروط استفادة اعضاءها من تعويضات مجزية. سكت المجلس الأعلى للحسابات و بنك المغرب و المجلس الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي، بعد أن تأكدوا أن الصمت الجميل يطيل عهد البقاء على الكراسي المجدية ماليا. و أستمر تراجع بلادنا في مؤشرات الرشوة و الفساد عكس ما تم إنجازه قبل عشر سنوات.
تجاوزت بلادنا كل الأزمات التي حاول مهندسو الأزمات تحويلها إلى واقع يضر بكل التوازنات. و لكن المستفيدين ظلوا على عهدهم مع سياسة الانحناء إلى أن تمر العاصفة. فرجعوا إلى امتصاص ما يختزنه صدر الوطن الأم مما تبقى من خيرات. و لأن أسهل الطرق إلى امتصاص الغضب الشعبي يبدأ بإشغال الناس عن القضايا التي تمس العدالة الإجتماعية و المجالية و السياسية، فلقد تفتقت " عبقريتهم" على الإضرار بالأسرة المغربية عبر " التوقيت الصيفي " لكي يتم إنهاك المواطن و أسرته، و لا يشغله الا الاستيقاظ المبكر ،المقرون بالخوف ، بالنوم المبكر المخالف لقواعد المحافظة على الصحة. ولم تسلم كرة القدم و لا الحقل الثقافي و الفني من إشغال الناس بقضايا هامشية.
كانت حكومة بن كيران ، أو لنقل بعضا منها، يواجه انتقادات مؤسسات الحكامة ( بنك المغرب و المندوبية السامية للتخطيط...) ، أصبحت حكومة اخنوش تنعم بسلم مؤسساتي بعد ما جرى في مجلس المنافسة جراء قرار شجاع تم التراجع عنه في مجال حكامة إستيراد المحروقات. و تستمر حكومة اخنوش في اغراقنا بأرقام حول التغطية الإجتماعية. و يظل واقع الولوج إلى الخدمات الصحية هو مقياس النجاح. و يبقى السبيل إلى العلاجات هو القدرة على الأداء المالي المسبق قبل الحصول على خدمة صحية. و يظل واقع أغلبية المواطنين يشكل صورة درامية عن مواعيد في المستشفى العمومي تصل إلى شهور من الإنتظار. و الأمر نفسه يهم كل المرافق العمومية . و لا يمكن إنكار ما تحقق في مجال المشاريع الملكية المهيكلة و التي لا تشكل، مع الأسف، نموذجا بالنسبة للممارسة الحكومية . قد يتكلم رئيس الحكومة عن جنة إنجازات لا يراها إلا هو. و لكن واقع الحال يقول عكس كل الوعود الانتخابية التي تم تحويلها إلى صلاة، و إلى أدعية قال في شأنها الزعيم و من يحيطون به، أنها إلتزام قد يؤدي عدم تحقيقه إلى مدعاة لرجمهم بالحجر. و لأننا شعب لا نرجم أحدا بالحجر، فإننا لا نتمنى إلا أن تطبق كل الآليات الدستورية التي أقنعت الشعب المغربي بالتصويت على دستور 2011. قبل سنين تجاوزت العشر تم تكبيل مؤسسات الرقابة، و تم توجيهها إلى ممارسة دراسات لا تفيد البلاد في شيء. تم رفع شعار تقييم السياسات العمومية و القطاعية ، و كانت النتائج كارثية بكل المقاييس. و من أراد المواجهة في هذا المجال، فيكفي فتح باب التقييم المهني المستقل لكل السياسات العمومية للوصول إلى معرفة حقيقة الأمور.
سؤال كبير يجب أن تجيب عنه الحكومة و رئيسها و الأحزاب التي تضمها اغلبيته. ماذا فعلتم من أجل مريض قال له مسؤول مستشفى عمومي " موعدك بعد سنة" ، و قال له مسؤول مستشفى خصوصي " ادفع آلاف الدراهم قبل طلب الاستشفاء ". هذه هي حقيقة تنزيل أكبر مشروع عرفه المغرب في مجال التغطية الإجتماعية و الصحية. و سيستمر الضغط على من لا قدرة له. و سيستمر مسلسل تسليع الصحة و التعليم ، و سيستمر مسلسل القضاء على التعاضديات من طرف حاملي ايديولوجية القضاء على الإقتصاد التضامني الإجتماعي. و هكذا يتم تكليف من يكفرون بثقافة التضامن و الإقتصاد الإجتماعي على رأس مؤسسات بلادنا. و السلام عليكم أيها الآيلون للسقوط مثل جدران منازلهم. قد تتغلبون على من تم استغلالهم بقوة سيطرتكم على شبكات السمسرة الانتخابية، و لكنكم ستظلون خطرا على الوطن.






