سياسة واقتصاد

مسؤولية الحكومة ورئيسها بين تدبير الأزمة وتكريس الريع؛ من يحاسب من؟

كمال الهشومي (أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري كلية الحقوق أكدال - الرباط)

في لحظة إقليمية مشتعلة، حيث تتسارع وتيرة الحرب في الشرق الأوسط وتتسع دائرة الغموض حول مآلاتها، وحيث يتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط جيوسياسية تهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، كان من الطبيعي أن يستشعر المواطن المغربي، ومعه مختلف الفاعلين، موجة غلاء محتملة في المواد الأساسية. لكن السؤال الحقيقي ليس في منطق الأزمة، بل في منطق التدبير: كيف تدار الأزمات؟ ولصالح من؟

نعم، الحرب واقع لا يمكن القفز عليه، والأزمات لها كلفتها، لكن الحكومات تختبر تحديدا في لحظات كهذه. فهل نحن أمام حكومة تدبر الأزمة، أم أمام حكومة تواكبها فقط وتمرر كلفتها إلى المواطن؟

اجتماع اللجنة بين الوزارية، بتوجيه من رئيس الحكومة، انتهى إلى إعادة تدوير نفس الوصفة؛ دعم مهنيي النقل. إجراء يبدو في ظاهره اجتماعيا، لكنه في عمقه يطرح أكثر من علامة استفهام. ألم يجرب هذا الحل مرارا في أزمات سابقة؟ ألم تضخ مليارات الدراهم دون أن تنعكس فعليا على الأسعار؟ أم أن الدعم أصبح مجرد آلية لامتصاص الغضب الاجتماعي، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع وتستمر الأرباح في التضخم؟

الأخطر من ذلك، أن الحكومة تعترف بوجود مخزون استراتيجي من المواد الطاقية يغطي عدة أشهر، تم اقتناؤه بأسعار سابقة أقل. فكيف يبرر إذن تمرير زيادات جديدة قبل استهلاك هذا المخزون؟ أليس هذا شكلا من أشكال “تسعير المستقبل على حساب الحاضر”، بل وتسليم السوق لمنطق المضاربة بدل منطق الحماية؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا الفرق بين كلفة الشراء وسعر البيع؟ المواطن أم الفاعلون الكبار في القطاع؟

ثم أين الدولة من دورها التنظيمي؟ لماذا يتم استدعاء المال العام لدعم الطلب، ولا يتم استدعاء السلطة العمومية لضبط العرض؟ لماذا لا يطرح خيار تسقيف أسعار المحروقات بجرأة سياسية، خاصة بعد أن أكد مجلس المنافسة وجود هوامش ربح مفرطة وأقر عقوبات مالية لم تغير شيئا في سلوك هذه الشركات؟ هل أصبحت هذه العقوبات مجرد “تكلفة إضافية” في نموذج الربح، تؤدى ثم يعاد إنتاج نفس الممارسات؟

إن ما يجري اليوم يطرح سؤالا سياسي حادا: هل نحن أمام حكومة تحمي القدرة الشرائية للمواطن، أم أمام حكومة تحمي توازنات سوق تدار لصالح أقلية؟ ولماذا كلما اشتدت الأزمة، يطلب من الدولة أن تتدخل بميزانيتها، بينما يترك السوق حرا حين يتعلق الأمر بالأرباح؟

كان بالإمكان اتخاذ قرار أكثر جرأة؛ تسقيف الأسعار، ربطها بكلفة الاستيراد الحقيقية، وتوجيه الدعم مباشرة إلى المواطن بدل الوسطاء. لكن يبدو أن الخيار الأسهل سياسيا هو تحميل كلفة الأزمة للمال العام، وترك هوامش الربح بمنأى عن أي مساءلة فعلية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجا: هل نحن أمام عجز في الابتكار السياسي، أم أمام إرادة واعية لإعادة توزيع كلفة الأزمات بشكل غير عادل.@

à la une