سياسة واقتصاد

الانتخابات التَّشريعة المُقبِلة.. إذا لم تكن مسبوقة بروحٍ سياسية جديدة، فلا فائدةَ منها!

أحمد الحطاب (باحث)
ماذا أقصِدُ ب"روح سياسية جديدة"، ومَن الذي يتعيَّن عليه أن يتحلَّى بهذه الروح السياسية الجديدة؟

جواباً على هذا السؤال، أي "ماذا أقصِدُ ب"روح سياسية جديدة"، ومَن الذي يتعيَّن عليه أن يتحلَّى بهذه الروح السياسية الجديدة؟، أقول وأُعيد القولَ إن أحزابَنا السياسية هي التي، من المفروض، أن تتحلَّى بهذه الروح السياسية الجديدة. فما هي هذه الروح وكيف بإمكان الأحزاب السياسية أن تُترجٍمها على أرض الواقع؟ أو بعبارة أخرى، ماهي ألشروطُ التي، من واجب أي حزبٍ سياسي أراد أن يصلَ إلى كراسي السلطة، أن يتحلَّى بها.

الشرط الأول هو أنه، من واجبِ الأحزاب السياسية أن تعتَبِرَ المواطنين (رجالاً ونساءً) ليس كمجرَّدَ أرقام جافة تُنمِّي بها عددَ المقاعد داخلَ البرلمان، وبالأخص، داخلَ مجلس النواب la chambre des députés. بل من واجبِها أن تعتبِرَ أصوأتَ هؤلاء المواطنين، كأصوات لها قيمة معنوِية وفعلية. وهذا النوع من احتقار أصوات المواطنين، هو، في الحقيقة، رؤيةٌ ميكانيكية لهذه الأصوات، سرعانَ ما يتمُّ نِسيانُها بمُجرد وصول الأحزاب السياسية إلى كراسي السلطة، وخصوصا، إذا رسمت هذه الأحزاب هذا الوصولَ كهدفٍ وحيدٍ للانتخابات التشريعية.

لا يا احزابَنا السياسية، أصوات المواطنين، الانتخابية، يجب أن تُحتَرمَ، وأول محترمٍ لها، هم الأحزاب السياسية. بل إن احترامَ أصواتِ المواطنين، جزءٌ لا يتجزَّأُ من احترام الديمقراطية. والديمقراطية يجب أن تنطلٍقَ من داخل الأحزاب السياسية.

الشرط الثاني ،هو أن كلُّ حزبٍ سياسي وصل إلى كراسي السلطة، يجب عليه أن يُدركَ أن نضالَه لن يُؤتيَ أكلَه في مشهدٍ سياسيٍّ مشحونٍ بالفساد. بل من واجب هذا الحزب أن يحاربَ الفسادَ، الذي يُشكِّل أكبر حاجز un grand obstacle يحول دون تنمية البلاد والعباد. بل إن عدمَ محاربة الفساد من طرف أي حزبٍ سياسي وصل إلى السلطة، فهذا الحزب يُعتَبَر شريكٌ في انتشار هذا الفساد وتضخُّمه. وانتشارُ الفساد أهون، بكثيرٍ، من مُحاربتِه. علما أن الفسادَ، كما سبق الذكرُ، هو العدوُّ الأول للتنمية، وفي نفس الوقت، يَتسبَّب في ضياع أموالٍ طائلة على خزينة الدولة، كان من المفروض أن تُساهِمَ في الرفع من نسبة النمو الاقتصادي، وكذلك، من رفع مستوى الناتج الداخلي الخام، أي أن ترفعَ من قيمة الثروة التي تُنتِجها البلادُ. الفسادُ له لوبياتُه، وهذه اللوبيات، هي التي يجب على الأحزاب السياسية مُحاربتُها.

الشرط الثالث، هو أن تتخلَّصَ أحزابُنا السياسية من استِعمال المال، كرشوة، للرفع من عدد المقاعد داخلَ مجلس النُّواب. وذلك، لأن هذا العدد يفتح البابَ على مصراعيه لإنتاج تشريعٍ يخدم مصالح لوبيات الفساد.

الشرط الرابع، يكمن في تخلِّى أحزابِنا السياسية عن القاسم الانتخابي le quotient électoral، وإن كانت مساهمتُه فعليةً في تعزيز التعدُّدية الحزبية للأغلبية البرلمانية والحكومية، فإنه غير مشروع وغير ديمقراطي. وبلادنا هي البلد الوحيد في العالم، التي تبنَّت وتتبنَّى هذا النَّوعَ في احتساب أصوات الناخبين.

الشرط الخامس، هو أن تكونَ أحزابنا السياسية حرَّةً في اتخاذ القرارات والمبادرات. بمعنى أن لا تنتظرَ إشاراتٍ من جهاتٍ أخرى كيفما كانت. لماذا؟

لأن الأحزاب السياسية هي، في الحقيقة ودستورياً، عبارة عن أجهِزة تمثِّل الشعبَ وتنوب عنه في تدبير الشأن العام. بمعنى أن أي حزبٍ سياسي وصل إلى كراسي السلطة، عن طريق الانتخابات. يتحوَّل من حزبٍ يمثِّل فئةً معيَّنةً من الشعب إلى ممثَّلٍ للشعب برمَّتِه.

الشرط السادس، هو أن تؤطِّرَ أحزابُنا السياسة المواطنين سياسيا، كما ينص على ذلك دستورُ البلاد. وللتذكير، ينصُّ دستورُ المغرب، في هذا الصدد، في فَصلِه السابع : "الأحزاب السياسية تعمل على تكوين المواطنين سياسياً، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام، وتشارك في الانتخابات على أساس التعددية والتناوب". غير أن أحزابَنا السياسية تخلَّت عن هذه الأدوار ولم تعد تهتمُّ إلا باستقطابِ أكبر عددٍ من الناخبين لضمان مكانٍ لها في الأغلبية البرلمانية.

وفي ختام هذه المقالة، هذه الشروط الستة، المذكورة أعلاه، ليست إلا غيضٌ من فيضٍ، أي أنها قليلٌ من كثيرٍ. إذ هناك شروط أخرى، من الضروري أن تتوفَّرَ في أحزابِنا السياسية. أذكر من بينها الديمقراطية الداخلية، النزاهة، الشفافية، الاستقامة، الوضوح، الصِّدق، روح المسئولية، التواصل مع المواطنين، احترام القانون، حرية الرأي والتعبير، احترام دولة الحق والقانون، خدمة الصالح العام، تبنِّي أخلاق وأخلاقيأت éthique سامية… وفوق هذا وذاك، أن تكونَ أحزبُنا السياسية مُتوفِّرةً على "مشروع ،مجتمع" un projet de société، أي على رؤيةٍ لبناء المجتمع المغربي. يقول مثلٌ عربي متداول "مَن شبَّ على شيءٍ، شاب عليه". بمعنى أن أحزابَنا السياسية، منذ نشأتها، شبت على مشهد سياسي مشحونٍ بالفساد، ويبدو أنها ستشيب عليه. ولهذا، ما يتمنَّاه الشعب المغربي، في خوض انتخابات تشريعية لسنة 2026، ب"روح سياسية جديدة" سيتِم، كما هي العادة، تأجيلُه إلى أجلٍ غير مُسمَّى.