سياسة واقتصاد

عندما يبلغ النَّصبُ والاحتيال أوجَهما

أحمد الحطاب (باحث)
هذه المقالة فَرَضَتها عليَّ الظروف القاسية التي يمرُّ منها العالمُ بأسره، من جراء الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية المُترتِّبة عن الحرب الدائرة بين إيران، من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل، من جهةٍ أخرى. في هذه المقالة، سأتحدَّثَ عن الزيادة المفاجئة في أسعار المحروقات الناتِجة عن الحرب المُشار إليها أعلاه. الحربُ التي يقودها، حالياً، الحزب الجمهوري، وبالضبط أحد رموز هذا الحزب، أي الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب.

ولا داعِيَ للقول أن هذه الحرب خلقت أو كانت سبباً في ظهور أزمة اقتصادية خانِقة مُمثَّلة في ارتفاع سعر برميل النفط الخام، في الأسواق العالمية، علماً أن هذه الأزمة كانت منتظرةً، منذ بداية الحرب، بسبب كون إيران تتحكَّم في مضيق هرمز، الذي يمر عبرَه ما يُناهز خُمسَ ما يستهلكه العالم من النفط الخام.

وإيران لجأت إلى إغلاق ممر هرمز لتخلقَ عمداً أزمةً في تزويد البلدان بالنفط الذي هي في حاجةٍ إليه لأغراض طاقية وصناعية. وهذا يعني أن إغلاق ممر هرمز استعملته إيران كسلاح اقتصادي لتتعمَّد خلق أزمة اقتصادية. لماذا؟

لأن الحروبَ تكون، دائماً، مصحوبة بأزمات إنسانية، اجتماعية واقتصادية.

إنسانية بسبب عدم احترام سيادة الدول والقوانين والمعاهدات الدولية. وهذا هو ما أقدمت عليه إسرائيل والولايات المتحدة في تجاوزٍ صارخٍ لهذا الاحترام ولهذه القوانين والمعاهدات الدولية.

اجتماعية بسبب عدد القتلى المرتفع أثناءَ الحرب، وإحداث اختلالات نفسية عند الأحياء قد تدوم طويلا، وخصوصا، إذا كان من بين ضحايا الحرب أبرياء لا ناقةَ ولا جملَ لهم فيها. ومن تداعيات الحروب، إجبار الناس على الهجرة، إضافةً إلى تفكُّك الأسَرِ وانتشار العنف الجنسي والفقر وهدم البنيات التحتية…

اقتصادية لأن أي حرب، كيفما كانت، تؤدي، دائما، إلى خلق أزمات اقتصادية راجعة إلى كون جميع السلع تحتاج إلى النقل، والنقل لا بد له من طاقة، والطاقة يوفِّرها النفطُ، والنفط عندما يعرف تزويدُ الدول به نقصاً يؤدي هذا النَّقصُ، حتما، إلى غلاء أسعار النقل وارتفاع أسعار التأمين على المخاطر. حينها، الأزمة الاقتصادية تؤدِّي إلى التَّضخم، أي إلى عدم التوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين وما يتقاضوه من أجورٍ أو ما يكسبونه من أموال من مُمارسة التجارة أو من تقديم خدماتٍ للمواطنين .

وعودةً إلى عنوان هذه المقالة، أي "عندما يبلغ النَّصبُ والاحتيال أوجَهما". فلماذا اخترتُ هذا العنوان؟ بالفعل، هناك نصبٌ واحتيالٌ واضحان للعيان. لماذا؟

لأن شركات توزيع البنزين والكازوال، المغربية، على محطات بيعِهما، تعمَّدت عدم تزويد هذه المحطات بما يكفي من المحروقات، يومي السبت والأحد، منتظرةً يوم الإثنين لتستفيدَ من ارتفاع الليتر الواحد من الكازوال بدرهمين والليتر الواحد من البنزين بدرهمٍ وأربعين سنتيماً.

أليس هذا نصبٌ واحتيالُ واضحان وضوح الشمس؟ علما أن النصبَ والاحتيالَ قائمان وموجودان منذ أزمة كورونا وحرب أوكرانيا وروسيا. لماذا؟

لأن النصبَ والاحتيالَ ليسا وليدَي الأمس، أي نتيجةً للحرب الإيرانية. بل إنهما، كما سبق الذكرُ، موجودان منذ أزمة كورونا والحرب الأوكرانية الروسية. وذلك لعدة أسباب، أذكر من بينها ما يلي :

أولا، انخفاض سعر برميل النفط في الأسواق العالمية، وأسعار بيع مشتقاته، من بنزين وكازوال، بقيت مرتفعةً، رغم هذا الانخفاض. وهنا، أريد أن أؤكِّدَ أن ارتفاعَ أسعار المحروقات تبقى مرتَفِعة رغم انخفاض أسعار برميل النفط في الأسواق العالمية. وإذا كان هناك انخفاضا، فإنه يكون طفيفاً، وبالتالي، لا يتلاءم مع انخفاض سعر برميل النفط في الأسواق العالمية.

ثانيا، لماذا تمَّت تنحِية السيد الكراوي من رئاسة مجلس المنافسة. بكل بساطة، لأنه أصدر تقريرا يفضح فيه الربحَ غير القانوني وغير المشروع illicite الذي استفادت منه شركات توزيع البنزين والكازوال، بصفةٍ غير مشروعة.

ثالثاً، ما كان لهذا الوضع أن يكونَ موجوداً لولا فساد المشهد السياسي. وإذا كان المشهدُ السياسي فاسِداً، فالسبب الرئيسي، هو جمود الأحزاب السياسية التي تدبِّر الشأن العامَّ، أمام استشراءِ الفساد في جميع دواليب الدولة والمجتمع..

رابِعاً، الفساد له لوبياته ses lobbies التي تتحكَّم في السلطة والمال. وهذه اللوبيات اتَّسع ويتَّسِع نفوذها وزادت وتزيد قوتُها، بشكلٍ فظيعٍ، لما دخلت عالمَ السياسة وأصبحت لها يدٌ طويلةٌ في تدبير الشأن العام. بمعنى أنها تصول وتجول في دواليب الدولة باحثةً عن قضاء مصالحها، أي الزيادة في حجم ثرواتِها. وكل جماعةٍ تتحكَّم في السلطة والمال، لا يمكنها، على الإطلاق، أن تزيدَ في حجم ثرواتها بدون فساد. فلا غرابةَ أن يتمَّ سحبُ قانون الإثْراء غير المشروع l'enrichissement illicite من قبة البرلمان.

ولا غرابةَ أن تتمَّ تنحيةُ السيد بلبشير من رئاسة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته. هذه الهيئة تُصدِر سنويا تقريرا ترصد فيه الوضعَ الذي وصل له انتشار الفساد في الدولة وفي المجتمع المغربي. والتقرير الذي صدر قبل تنحية بلبشير من رئاسة الهيئة بيَّن، بكل وضوحٍ، أن الفسادَ، بجميع أشكاله يتنامى سنة بعد أخرى، وبالأخص، يتسبَّب في ضياع ما يُناهز 50 مليار درهم على خزينة الدولة. وهذا الضياع يجب خَصمُه من الثروة التي تُنتِجها البلادُ، وبالتالي، ينعكس سلباً على نسبة النُّمو السنوية.

ومعلومٌ أن الحكومة الحالية والحكومات التي دبَّرت الشأنَ العامَّ في فترة كورونا وأثناءَ الحرب الروسية الأوكرانية لم تحارب الفسادَ، أي لم تتخذ أي إجراءٍ للقضاء عليه، رغم وجود تشريعاتٍ تُحاربه أو على الاقل، تُخفِّف من انعِكاساتِه على الاقتصاد الوطني. وللتَّذكير، لا توجد ولو حكومة واحدة تجنَّدت وكرَّست عملًها وجُهدَها للقضاء عليه أو للتَّخفيف من أثرِه على اقتصاد البلاد. بل إنها بقيت متفرِّجةً في الوضع المزري، مُنتظرةً أن تنزلَ معجزةٌ من السماء. والمُعجزة لن تنزل لا من السماء ولا من غيره، لأن المثلَ العربي يقول "ما حكَّ جلدَك مثل ظفرِك". بمعنى أن محاربةَ الفساد يحتاج إلى أرادةٍ سياسية قوية، وهذه الإرادة لا أثرَ لها في مشهدِنا السياسي!

والحلول موجودة وتطبيقها على أرض الواقع هو الذي الذي تنقُصه الإرادة السياسية. من بين هذه الحلول، أذكر، على سبيل المثال ما يلي : إعداد استراتيجية متعدِّدة الأبعاد تجمع بين تقوية الترسانة القانونية المضادة للفساد، وتبنِّي الشفافية في مشاريع التنمية، وتقوِية تربية المواطنين وإشراكُهم في محاربة الفساد وتطبيق، على أرض الواقع، مبدأ ربط المسئولية بالمُحاسبة وحماية المّبلِّغين عن الفساد ورقمنة الخدمات العمومية numérisation ðes services publics للتَّقليل من التفاعلات والمناورات والتَّدخُّلات البشرية وتطبيق القانون بصرامة، أي بغض النظر عن المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية للمُفسدين… وهذا هو دور الهيئة الوطنية للنزاهة والوِقاية من الفساد ومحاربتِه.