تفتح لنا وثائق الأرشيف العسكري بمدريد نافذة استثنائية على كواليس الدبلوماسية الميدانية عام 1791.
فحادثة أسر أربعة حراس مغاربة عند "نقطة البابة" المتاخمة لجزيرة بادس مثلت واقعة حدودية كشفت مراسلاتها الاستخباراتية عن تدبير إسباني ذرائعي حاد.
فبينما كان القاضي المغربي المفاوض الشريف مولاي إبراهيم يسعى لاستعادتهم مقابل الفدية، كان المراقب العام "رامون دي مونسالفي" ينسج خيوط مقايضة سياسية أوسع، تظهر تفاصيلها الجلية في الوثيقة التالية:
(نص الوثيقة كما هي مكتوبة حرفيا بالإسبانية)
Exmo S.or
He leido al Rey la carta de V.E. de 31. del pasado en q.e incluye copia de la q.e con fha de 23. le ha escrito el Gov.or del Peñon con motivo de la solicitud q.e hizo el Alcaide de la Alcazaba pidiendo a nombre del Cherif Muley Brahem, q.e se le entregasen a cambio de Ganados los 4. moros q.e en el año anterior fueron apresados estando de guardia en la Punta llamada de la Baba. Enterado S.M. de todo, y de lo q.e informa el veedor D.n Ramon de Monsalve se ha servido resolver q.e espere V.E. las ordenes q.e sobre este particular le comunique el S.or Conde de Aranda; lo q.e participo a V.E. de R.l orden p.a su inteligencia. Dios gue.
en 16. de Nov.e de 92.
S.or Marq.s de Vallehermoso.
ترجمة الوثيقة إلى العربية:
صاحب السعادة،
لقد قرأتُ على الملك رسالة سعادتكم المؤرخة في 31 من الشهر الماضي، والتي تتضمن نسخة من الرسالة التي كتبها حاكم "الصخرة" (Peñon) بتاريخ 23، بخصوص الطلب الذي قدمه قائد القصبة باسم الشريف مولاي إبراهيم، ملتمساً تسليم المغاربة الأربعة الذين أُسروا في العام الماضي أثناء نوبتهم في الحراسة بالنقطة المسماة "البابة"، وذلك مقابل قطيع من الماشية. وبعد اطلاع جلالته على كل الحيثيات، وعلى ما أفاد به المراقب (Veedor) دون رامون دي مونسالفي، قرر جلالته أن تنتظر سعادتكم الأوامر التي سيبلغكم بها السيد "كونت دي أراندا" بهذا الشأن؛ وهو ما أنقله لسعادتكم بموجب أمر ملكي للإحاطة والعلم. حفظكم الله.
في 16 نوفمبر 1792.
إلى السيد ماركيز دي فالي هيرموسو.
ولكي نستوعب أكثر أبعاد هذه المناورة، تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات الإسبانية لم تكن تهدف إلى مقايضة "مغاربة بمغاربة" في ظاهرها، بل كانت استراتيجية لتكبير حجم الصفقة مع الجانب المغربي. فقد سعت إسبانيا إلى دمج ملفين في ملف واحد: ملف الحراس الأربعة الذين أُسروا حديثاً، وملف الشخصية المغربية الهامة والمؤثرة المدعو "الكيتراني" أو "القيتراني" (Alquiterani) المحتجز في قصر الحمراء بغرناطة، والذي كان يكلف الخزينة الإسبانية ميزانية باهظة تصل إلى 12 ريالاً يومياً.
وتكمن خلفية هذه المقايضة في رغبة إسبانيا في استرجاع أسرى إسبان (مسيحيين) محبوسين لدى المغرب، حيث اعتبرت الإدارة الإسبانية أن عرض تسليم الأسرى المغاربة الخمسة (الأربعة جنود والكيتراني) سيكون ورقة ضغط أقوى لانتزاع موافقة السلطان المغربي على إطلاق سراح المحتجزين الإسبان، وفي الوقت نفسه التخلص من عبء "الكيتراني" المالي.
إن احتجاز "الكيتراني" في مكان برمزية قصر الحمراء يعكس وزنه السياسي، مما جعل منه ومن الجنود الأربعة أوراق ضغط في مفاوضات سيادية كبرى، تدار خيوطها من مركز القرار في مدريد لربط مصير حراس بسطاء في الريف بملفات أسرى إسبان في حواضر المغرب الكبرى.
◾️شرح للكلمات البروتوكولية المختصرة في الوثيقة:
تعتمد المراسلات الإدارية والعسكرية الإسبانية في القرن الثامن عشر مجموعة من الاختصارات البروتوكولية التي تعكس الرتبة والمكانة، ومن أبرز ما ورد في هذه الوثيقة:
▪️Exmo S.or:
اختصار لـ Excelentísimo Señor، وتعني "صاحب السعادة"، وهي فاتحة بروتوكولية لمخاطبة كبار المسؤولين.
▪️V.E:
اختصار لـ Vuestra Excelencia، وتعني "سعادتكم"، وتُستخدم في متن النص لمخاطبة الشخص الموجهة إليه الرسالة.
▪️S.M:
اختصار لـ Su Majestad، وتعني "جلالة الملك".
▪️fha:
اختصار لـ fecha، وتعني "تاريخ".
▪️q.e:
اختصار لـ que، وهي أداة وصل تُستخدم بكثرة في المخطوطات القديمة.
▪️R.l orden:
اختصار لـ Real orden، وتعني "أمر ملكي".
◾️المرجع التوثيقي:
* الأرشيف: الأرشيف العام العسكري - مدريد (SGU).
* المجلد (Legajo): 7318.
* الوثيقة رقم: 580.
* التاريخ: 16 نوفمبر 1792م.







