امرأة

حين تتحول المرأة إلى ساحة صراع بين التقاليد والدين والرأسمالية

مريم صباحي (حقوقية وفاعلة مدنية)

في كل عام، ومع حلول 8 مارس، ترتفع خطابات الاحتفاء بالمرأة وشعارات المساواة والتمكين. غير أن هذا الاحتفال الرمزي يخفي واقعاً أكثر تعقيداً: فالمرأة في كثير من المجتمعات ما تزال تعيش داخل شبكة من السلطات المتداخلة التي تتحكم في حياتها وجسدها وصوتها؛ سلطة التقاليد، وسلطة بعض التأويلات الدينية المغلقة، وسلطة السوق الرأسمالي.

ففي المجتمع التقليدي تُحاصر المرأة داخل منظومة غير مكتوبة من الأعراف تحدد ما يجب أن تكون عليه. تُراقَب في لباسها وصوتها واختياراتها، وكأن شرف المجتمع معلق بسلوكها. وعندما تتداخل هذه الأعراف مع قراءات متشددة للنصوص الدينية، يصبح القيد أكثر صلابة، ليس لأن الدين في جوهره يقيد المرأة، بل لأن بعض الخطابات تستخدمه كأداة للضبط الاجتماعي باسم الفضيلة والأخلاق.

لكن المفارقة الكبرى أن المرأة لا تُقمع فقط باسم التقاليد أو الدين، بل أيضاً باسم الحداثة والسوق. فقد أشار الفيلسوف الألماني كارل ماركس إلى قدرة الرأسمالية على تحويل كل شيء إلى سلعة، ولم يكن الجسد الأنثوي بمنأى عن هذا المنطق؛ إذ أصبحت صورة المرأة أداة تسويق واسعة في الإعلانات والإعلام.

وهكذا تجد المرأة نفسها بين عالمين متناقضين: مجتمع يطالبها بالاختفاء باسم الأخلاق، وسوق يطالبها بالظهور باسم الربح. وبين المنع والاستغلال تضيع إنسانية المرأة.

وقد بيّن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة لا تعمل فقط عبر القوانين بل عبر آليات خفية من المراقبة الاجتماعية، وهو ما جعل جسد المرأة تاريخياً مجالاً دائماً للضبط. لذلك رأت الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار أن الأدوار المفروضة على المرأة ليست قدراً طبيعياً بل بناءً اجتماعياً.

إن قضية المرأة ليست قضية فئوية، بل قضية حرية وعدالة داخل المجتمع كله. فالمجتمعات التي تخاف من حرية نسائها تخاف في الحقيقة من الحرية نفسها.

ولهذا فإن 8 مارس يجب أن يكون لحظة مساءلة لا مجرد احتفال.

فالمرأة لا تحتاج إلى الورود،

بل إلى العدالة.

ولا تحتاج إلى الخطب،

بل إلى الحرية… كل أيام السنة.