غير أنّ المتابعة المبكرة والدقيقة من طرف طبيب مختص في السكري قادرة على جعل الحمل يمر في ظروف صحية وآمنة.
وسيكون هذا الموضوع في صلب النقاشات العلمية خلال المؤتمر الثالث للجمعية المغربية لعلم السكري، الذي ستحتضنه مدينة طنجة ما بين 26 و28 مارس 2026.
وسيحشد هذا اللقاء العلمي نخبة من الخبراء المغاربة والدوليين لمناقشة أحدث التطورات في مجال علاج السكري، مع تركيز خاص على الصحة الأيضية للمرأة الحامل.
اليوم، يحتل موضوع السكري أثناء الحمل موقعاً مركزياً ضمن اهتمامات الأطباء والباحثين.
فخلف كل اضطراب في مستويات السكر خلال فترة الحمل يكمن رهان مزدوج: صحة الأم من جهة، والمستقبل الأيضي للطفل من جهة أخرى.
بعض النساء يكنّ مصابات بداء السكري قبل حدوث الحمل، سواء كان من النوع الأول أو النوع الثاني.
وفي مثل هذه الحالات، ينبغي التخطيط للحمل بعناية كبيرة.
فالتوازن الجيد لمستوى السكر في الدم قبل حدوث الحمل يعدّ أمراً حاسماً، لأن الأسابيع الأولى من تطور الجنين تكون شديدة الحساسية لأي اختلالات أيضية.
وعدم التحكم الجيد في السكري خلال هذه المرحلة قد يرفع من احتمال حدوث مضاعفات لدى الأم أو الجنين.
إلى جانب ذلك، هناك نوع آخر من السكري يظهر أثناء الحمل، ويُعرف بـ سكري الحمل، وغالباً ما يتم اكتشافه خلال الثلث الثاني من الحمل.
وينتج هذا النوع عن التغيرات الهرمونية المصاحبة للحمل، والتي تؤدي إلى حالة من المقاومة الفسيولوجية للأنسولين.
ورغم أن سكري الحمل يظهر عادة بعد اكتمال مرحلة تكوّن أعضاء الجنين ولا يؤدي غالباً إلى تشوهات خلقية، فإنه ليس أمراً بسيطاً أو خالياً من المخاطر.
فعدم التحكم في مستوى السكر قد يؤدي إلى زيادة مفرطة في نمو الجنين، ما قد يسبب صعوبات أثناء الولادة، كما قد يعرّض المولود لاضطرابات أيضية في أيامه الأولى.
وعلى المدى البعيد، قد يواجه كل من الأم والطفل احتمالاً أكبر للإصابة بداء السكري من النوع الثاني.
أمام هذه المخاطر، طوّر الأطباء اليوم استراتيجيات واضحة للوقاية والعلاج.
ويشكّل الفحص المنتظم خلال الحمل الخطوة الأولى في هذه المقاربة.
فالكشف المبكر عن اضطرابات تحمل الغلوكوز يسمح بالتدخل في الوقت المناسب لتفادي المضاعفات.
بعد ذلك، تعتمد المعالجة على خطة فردية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل حالة.
وتشمل هذه الخطة نظاماً غذائياً متوازناً، ونشاطاً بدنياً مناسباً للحمل، إلى جانب المراقبة الذاتية المنتظمة لمستوى السكر في الدم.
وعندما لا تكفي هذه الإجراءات لضبط مستوى السكر، يبقى الأنسولين العلاج المرجعي، لأنه يسمح بالتحكم الدقيق في نسبة السكر دون أن يشكل خطراً على الجنين.
كما يتطلب الحمل لدى المصابات بالسكري متابعة دقيقة من الناحية التوليدية.
فمراقبة نمو الجنين وضغط الدم لدى الأم، إضافة إلى التحاليل البيولوجية الدورية، تتيح للأطباء توقع بعض المضاعفات المحتملة مثل تسمم الحمل أو صعوبات الولادة.
ولا تتوقف اليقظة الطبية عند لحظة الولادة. فحتى وإن كان سكري الحمل يختفي في معظم الحالات بعد الوضع، فإنه يظل بمثابة جرس إنذار بشأن المستقبل الأيضي للأم، ما يستدعي متابعة طبية منتظمة.
وفي قلب هذه المنظومة العلاجية المعقدة، يلعب طبيب السكري دوراً محورياً.
وخلال مؤتمر طنجة، سيؤكد المتدخلون على أهمية العمل الجماعي الذي يجمع بين طبيب السكري وطبيب النساء والتوليد والقابلة وأخصائي التغذية.
فطبيب السكري لا يقتصر دوره على وصف العلاج فحسب، بل يعمل أيضاً على تحديد الأهداف العلاجية لضبط مستوى السكر، وتكييف العلاجات، ومرافقة المريضة في فهم مرضها والتعايش معه.
وهو بذلك يؤدي دوراً أساسياً في التثقيف العلاجي وتنسيق مسار الرعاية الصحية.
أما بالنسبة للنساء المصابات بالسكري قبل الحمل، فإن تدخل طبيب السكري يبدأ حتى قبل حدوث الحمل. فهو يعمل على تحقيق التوازن الأيضي، وتقييم المضاعفات المحتملة، ووضع خطة علاجية تتلاءم مع متطلبات الحمل.
وخلال فترة الحمل، يظل العلاج في حالة تعديل مستمر، تماشياً مع التغيرات الهرمونية واحتياجات الجسم المتغيرة.
وفي ما يتجاوز حدود الحدث العلمي، يحمل لقاء طنجة رسالة تنسجم تماماً مع روح الثامن من مارس: حماية صحة المرأة تعني أيضاً حماية صحة الأجيال القادمة.
ومن خلال هذا النداء العلمي، تؤكد الجمعية المغربية لعلم السكري SMD حقيقة واضحة:
إن الاستثمار في الصحة الأيضية للنساء هو في جوهره استثمار في مستقبل الصحة بالمغرب.






