في قرار منع كتابة الشهادتين على سيارات نقل الموتى شيء من السخرية السوداء. القرار لا يخالف الشريعة بالتّأكيد لكنه يخالف شيئًا أعمق وأقدم و أسمى من الفقه نفسه: حاجة الإنسان إلى الطمأنينة حين يواجه أعظم لغز في حياته، لحظة انطفائه الأخيرة.
المغربي الذي لم يُترك له منذ طفولته سوى طريق واحد و لم يُتح له طوال عمره، أن يتعرّف إلى نفسه خارج الديانة الإسلامية: تعلّمها في المدرسة، وسمعها في البيت، و في وسائل الإعلام ورآها في الشارع، وتنفّسها في الهواء العام، يُطلب منه فجأة، عند أكثر اللحظات رهبة، أن يواجه الموت بصمتٍ بصريّ مهذّب. فتُسحب منه الكلمات التي تعلّم أن يستند إليها. كأننا نعطيه مظلة طوال عمره ما دام الجو صحوًا، ثم ننتزعها منه عندما يبدأ المطر .
كل الأديان، في جوهرها العميق نشأت لتروض رعب الإنسان من العدم، و ازدهرت لأنها تخفف هول لحظة الموت المرعبة بمنحها قصة تبعث على أمل اللقاء و الرجوع و الإستمرار…... والشهادتين على سيارة نقل الموتى تشبه اليد الموضوعة برفق على كتف الخائف. هي همسة تطمين أخيرة، خطاب موجّه للميت بقدر ما هو موجّه للأحياء المرتجفين حوله.
يقال إن الغاية هي «التوحيد البصري والرصانة في الفضاء العام». حجة تبدو نبيلة لولا أنها تُرفع في مجتمع تغمره الرموز الدينية من كل جانب: حجاب يملأ الشوارع، ومآذن تبتلع الأفق، و صلاة جمعة تشل الطرقات، وساعة بلدٍ تُحرَّك كل عام من أجل رمضان………….إن كانت الرصانة مطلوبة حقًا، فلتبدأ من البنى الكبرى لا من جملة صغيرة على سيارة صامتة. الرصانة، إن كانت فضيلة، لا تبدأ عادة من العبارة الأكثر صمتًا في الشارع: عبارةٍ تمرّ ببطء، ولا يقرأها إلا من كان قلبه مثقلًا أصلًا.
ربما لا تغيّر الكلمات المكتوبة على سيارة نقل الأموات شيئًا في مصير الميت. لكن الإنسان لا يعيش بالمصائر وحدها، بل بما يخفف وقعها. والمؤلم في هذا القرار أنه لا يمنع خطأً كبيرًا، بل يسلب عزاءً صغيرًا وذلك، في ميزان النفس، أثقل مما يبدو في ميزان الإدارة.






