سياسة واقتصاد

نحن والسياسة: في مرايا العالم العربي وتحولات القوة الدولية

سناء بوصوف

لسنا خارج السياسة، حتى حين نزعم الحياد. فنحن، في العالم العربي، لا نقف على هامش التاريخ، بل في قلبه، وإن بدا لنا أحيانا أننا موضوعه لا فاعلوه. السياسة ليست فقط مؤسسات ودساتير وتحالفات، بل قبل ذلك رؤية للعالم وتحديد لموقع الذات بين خرائط القوة ومجالات التأثير.

منذ سقوط جدار برلين وانهيار الثنائية القطبية، بدا أن لحظة القطب الواحد قد استقرت تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن تلك الهيمنة لم تكن قدرا ثابتا، بل طورا عابرا في تاريخ القوة. ومع صعود الصين، وعودة روسيا إلى قلب المعادلة الجيوسياسية، دخل النظام الدولي مرحلة سيولة استراتيجية، لم تعد فيها الموازين مستقرة ولا التحالفات نهائية.

في هذا السياق، يجد العالم العربي نفسه أمام سؤال الوجود السياسي: هل هو مجال نفوذ تتقاسمه القوى الكبرى، أم فضاء حضاري قادر على إعادة تعريف موقعه؟

لقد كان موقعه الجغرافي، بين مضائق الطاقة وممرات التجارة، سببا في استدعائه الدائم إلى مركز الصراعات. من المتوسط إلى الخليج، ومن البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، تتقاطع خطوط المصالح الدولية، وتتداخل رهانات الأمن والاقتصاد والهوية.

غير أن الإشكال لا يكمن في الجغرافيا وحدها، بل في الإرادة السياسية.

فالسياسة، في معناها العميق، هي قدرة على تحويل المعطى إلى مشروع، والتحدي إلى فرصة. غير أن العالم العربي، في كثير من محطاته، ظل يتفاعل مع الأحداث أكثر مما يصنعها، ويتكيف مع التحولات أكثر مما يوجهها. وبين الانقسامات الداخلية والارتهانات الخارجية، تضيع إمكانات الفعل الجماعي.

التوجهات الكبرى للسياسة الدولية اليوم تقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أولا: الاقتصاد بوصفه أداة هيمنة. لم تعد الحروب وحدها وسيلة فرض النفوذ، بل أصبحت سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء ساحات صراع ناعم.

ثانيا: الأمن بمعناه المركب. لم يعد الأمن عسكريا فقط، بل سيبرانيا وغذائيا ومائيا وثقافيا.

ثالثا: تعدد الأقطاب المرن. لم يعد العالم منقسما بين معسكرين، بل بين شبكات مصالح متداخلة، حيث يمكن للدولة أن تتحالف اقتصاديا مع طرف وأمنيا مع آخر.

أمام هذه التحولات، يطرح العالم العربي سؤالا فلسفيا قبل أن يكون سياسيا:

هل نستمر في التفكير بمنطق رد الفعل، أم ننتقل إلى منطق المبادرة؟

هل نبني سياساتنا على هواجس الخوف، أم على هندسة القوة؟

إن استعادة الفاعلية العربية لا تمر عبر خطاب عاطفي، بل عبر إعادة تعريف مفهوم السيادة في زمن الاعتماد المتبادل. فالسيادة لم تعد انغلاقا، بل قدرة على التفاوض من موقع الندية، وعلى بناء تحالفات ذكية، وعلى امتلاك أدوات المعرفة والإنتاج.

لسنا ضحايا قدر جيوسياسي محتوم. فالتاريخ لا يرحم من يتأخر، لكنه يمنح الفرصة لمن يعيد قراءة ذاته. السياسة ليست صراعا فقط، بل هي أيضا فن الممكن، وإدارة المعنى، وصناعة الأفق.

وحين نعي أن العالم يتغير لأن موازين المعرفة والاقتصاد تتحول، ندرك أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد العالم بنا؟

بل: ماذا نريد نحن من العالم؟

هناك يبدأ الفعل، وهناك تولد السياسة.