كيف يمكن لدولة أن تزداد قوة… بينما يزداد مواطنها ميلا إلى الانسحاب؟
هذا السؤال يرافقني كلما تأملت المسار الذي تشكل في المغرب خلال السنوات الأخيرة. الدولة تبدو أكثر تماسكا من أي وقت مضى. مؤسساتها تشتغل بانتظام، قراراتها تُنفذ، ومشاريعها تستمر وفق أفق طويل لا يتأثر كثيرا بتغير الحكومات. هناك وضوح في الاتجاه، واستمرارية في الفعل، وثقة متزايدة في القدرة على التحكم في الزمن.
هذه، في جوهرها، علامات قوة.
لكن، في المقابل، لم يعد المواطن يعيش هذه القوة بالطريقة نفسها. لم يعد يتعامل مع السياسة باعتبارها لحظة يمكن أن تعيد صياغة موقعه داخل الدولة، بل باعتبارها جزءا من مشهد أوسع يتحرك وفق منطقه الخاص. يتابع، يفهم، وأحيانا يشارك، لكنه لم يعد ينتظر كما كان. كأن شيئا ما انكسر في العلاقة بين المشاركة والنتيجة.
أتوقع أن هذا التحول يرتبط بطبيعة الدولة حين تبلغ درجة معينة من الاستقرار.
الدولة القوية لا تحتاج إلى أن تعيد تأسيس نفسها باستمرار. لا تحتاج إلى أن تُقنع في كل مرة، لأنها تملك ما يكفي من الاستمرارية لتفرض واقعها كأمر قائم. ومع الوقت، لا يعود التغيير مستحيلا، لكنه يصبح أبطأ، وأقل ارتباطا بإيقاع المجتمع، وأكثر ارتباطا بإيقاع الدولة نفسها.
هنا، يتغير موقع المواطن دون أن يغادر مكانه..لا يُقصى من المعادلة، لكنه لا يعود في مركزها. يصبح جزءا من مسار لا يملك دائما القدرة على تعديله، فيتعلم أن يتكيف معه بدل أن ينتظر تغييره.
هذا التكيف لا يُفرض بالقوة، بل يُنتج بالتجربة..تجربة تجعل المواطن أكثر واقعية، وأقل ميلا إلى تعليق آماله على لحظة سياسية بعينها. يعيد استثمار طاقته في ما يستطيع التحكم فيه مباشرة، ويترك ما تبقى لمنطق يبدو أكبر منه.
أخشى أحيانا أن المشكلة لم تعد في قوة الدولة… بل في ضعف الحاجة إليها.
حين يتعب المواطن بما يكفي، يتوقف عن الانتظار. لا يحتج، لا يرفض، بل يعيد ترتيب حياته خارج فكرة التأثير نفسها. يتكيف، يتدبر، ويمضي.
الدولة، من جهتها، لا تشعر بالخسارة. تستمر، تعمل، وتزداد قوة، لكن شيئا واحدا فقط يكون قد تغيّر : لم يعد المواطن ينتظر منها شيئا… ولم تعد هي تحتاج أن تقنعه بأي شيء، هناك، لا تنهار الدولة.....
هناك… تنتهي السياسة.






