أجد نفسي، كلما تأملت المشهد السياسي في المغرب، أميل إلى التفكير في معنى التنافس كما أصبح يُمارس اليوم. فعلى ما يبدو قد تغيرت طبيعته. ما يزال حاضرا في شكله المألوف:تنظم انتخابات و تبنى تحالفات و يتم انتقاد المعارضات . لكن خلف هذا الشكل، يتضح أن ما ينظم العلاقة بين الفاعلين لم يعد هو التنافس كما كان يُفهم، بل نوع من التوافق الذي يرسم حدوده ويضبط مجاله.
في الأصل، كان التنافس السياسي يرتبط بفكرة الاختيار بين اتجاهات مختلفة. لم يكن فقط تنافسا حول من يتولى المسؤولية، بل حول التصور الذي سيقود المرحلة. كانت الانتخابات، بهذا المعنى، لحظة تحمل إمكانية التعديل، حتى وإن كان محدودا. كان وجود هذا الاحتمال كافيا ليمنح السياسة حيويتها، لأنه جعل المستقبل مفتوحا، لا مجرد امتداد تلقائي للحاضر.
لكن هذا المعنى بدأ يتراجع تدريجيا.
صرت ألاحظ أن الأحزاب، رغم اختلاف مواقعها، تتحرك داخل هامش مشترك تحكمه فكرة الاستمرارية. القضايا الكبرى لم تعد موضوع تنافس حاد، بل أصبحت أقرب إلى أرضية مستقرة. الاختلاف ما يزال قائما، لكنه يمس الأسلوب أكثر مما يمس الاتجاه. لم يعد السؤال: أي تصور سيسود، بل: من سيدبر التصور نفسه.
هذا التحول لم يأت من فراغ. هو نتيجة مسار طويل من التفاعل بين الدولة والأحزاب. تجربة التناوب شكلت لحظة إدماج أساسية، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2011 لتوسع حضور الفاعل الحزبي في تدبير الشأن العام. غير أن هذه التجارب نفسها كشفت حدود القدرة على إعادة تشكيل القواعد العامة. ومع مرور الوقت، تكيفت الأحزاب مع هذا الواقع، وأصبح هدفها الضمني هو إيجاد موقع داخل التوازن القائم، لا إعادة صياغته.
بهذا المعنى، تحول التوافق من حل استثنائي إلى إطار دائم.
لم يعد يُستخدم فقط لتجاوز الأزمات، بل أصبح جزءا من الطريقة التي تُمارس بها السياسة. هذا منح النظام قدرا أكبر من الاستقرار، لكنه، في المقابل، قلص المسافة بين البدائل. وحين تضيق هذه المسافة، يتغير إحساس المواطن بجدوى التنافس. لأن التنافس، في النهاية، لا يُقاس بوجوده الشكلي، بل بقدرته على إنتاج فرق محسوس.
لهذا، لم تعد السياسة تُستقبل دائما باعتبارها مجالا لاحتمالات متعددة، بل باعتبارها مجالا لإدارة احتمال واحد بصيغ مختلفة. وهي مفارقة دقيقة: كل شيء يعمل، كل المؤسسات قائمة، لكن معنى الاختيار نفسه لم يعد يحمل الثقل الذي كان يحمله.
في هذه اللحظة تحديدا، أفهم كيف أصبح التوافق ضروريا لضمان الاستمرارية، وأفهم أيضا كيف ساهم، دون قصد، في إعادة تعريف التنافس. لم يلغ وجوده، لكنه جعله أقل حسما، وأقل قدرة على إقناع المواطن بأن ما يجري يمكن أن يقوده إلى أفق مختلف، لا مجرد نسخة أكثر استقرارا مما يعرفه بالفعل..






