نعود إلى إحياء حلقات من سلسلة ” سرديات رمضانية ” ؛ وهي عبارة عن مقالات بمثابة إعلان صريح وواضح عن ضرورة فتح نقاش عمومي، والبحث في إمكان “ترتيب النهاية” بخصوص ما جمعنا ويربطنا من وقائع ؛ وإحداث قطائع – ولو صغرى – دون السقوط في خطاب تصفوي أو عدمي.
* الحلقة الأولى :
…بين الوفاء للذاكرة وضرورة ترتيب النهاية ، نعيد طرح السؤال الحقيقي ؛ ليس سؤال الاستمرار في الانتظام داخل حزب تاريخي سؤالاً تنظيميًا صرفًا، بل هو سؤال معنى. فعندما يتحول حزب كان يومًا حاملاً لمشروع مجتمعي متكامل إلى إطار يقتات أساسًا على رصيده الرمزي، يصبح الانتماء إليه اختبارًا للوعي لا مجرد موقف سياسي.
لقد عرف الحزب، عبر محطات متتالية، نزيفًا تدريجيًا في رمزيته وفي قدرته التعبوية. لم يكن التراجع حدثًا فجائيًا، بل مسارًا ممتدًا من التآكل: تراجع في المشروع، انكماش في التنظيم، وتقلص في الحضور المجتمعي. ومع كل استحقاق انتخابي، كان ينخفض منسوب الأمل في استعادة الأفق، إلى أن أصبح حضوره أقرب إلى تدبير موقع داخل الحقل السياسي منه إلى قيادة دينامية إصلاحية.
شكل رحيل عبد الرحمان اليوسفي نهاية مرحلة رمزية وسياسية معًا. بل إن إعفاءه من تدبير الشوط الثاني من تجربة التناوب التوافقي كان في ذاته لحظة مفصلية كشفت حدود التوافق الممكن داخل ميزان قوى معقد. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنه استثمر في الحزب باعتباره أداة انتقال ديمقراطي، وحقق الحد الأدنى من برنامج إصلاحي ذي مرجعية اشتراكية ديمقراطية، مهذبًا مقتضيات استراتيجية النضال الديمقراطي كما صاغها المؤتمر الاستثنائي وبلورها المؤتمر الوطني الثالث.
غير أن ما تلا ذلك لم يكن استمرارًا في البناء، بل انخراطًا تدريجيًا في منطق “الوكالة الانتخابية” بدل منطق “الحركة التاريخية”. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
هل نحن أمام أزمة قيادة، أم أمام نهاية دورة تاريخية بكاملها؟.
من التعاطف إلى المساءلة
إن استمرار التعاطف مع الحركة الاتحادية لا يمكن أن يُختزل في حنين عاطفي، بل هو – في جوهره – محاولة لتحصين الذاكرة النبيلة المشتركة، وحماية ما تبقى من رأسمال رمزي راكمته أجيال من المناضلين. فالذاكرة السياسية ليست ترفًا، بل شرطًا للمعنى. غير أن تحصين الذاكرة لا يعني تجميدها، كما أن الوفاء لا يعني تعليق النقد.
من هنا تبرز ضرورة الانتقال من التعاطف الصامت إلى النقاش العمومي الصريح. نقاش لا ينطلق من موقع تصفية الحساب، بل من موقع تشخيص نهاية دورة، والتفكير في كيفية ترتيبها بأقل الخسائر الرمزية الممكنة.
ترتيب النهاية أم تجديد البداية؟.
ترتيب النهاية ليس إعلانًا للهزيمة، بل ممارسة ناضجة للاعتراف بالتحولات. فالأحزاب، مثل الأفكار، تعرف دورات حياة. والإصرار على الاستمرار دون مراجعة قد يؤدي إلى استنزاف ما تبقى من الرصيد، بدل الحفاظ عليه.
إن فتح نقاش عمومي داخل الفضاء الاتحادي – ومعه داخل الفضاء الديمقراطي الأوسع – يقتضي طرح أسئلة مؤلمة ولكن ضرورية:
هل ما يزال المشروع الاشتراكي الديمقراطي قابلًا للتجدد داخل الإطار التنظيمي القائم؟.
هل البنية الحالية قادرة على استيعاب تحولات المجتمع وقواه الصاعدة؟.
أم أن المطلوب إحداث قطائع، ولو صغرى، على مستوى الخطاب، وآليات التنظيم، وأشكال التحالف؟.
ليست القطيعة هنا بالضرورة انشقاقًا أو هدمًا، بل قد تكون إعادة تعريف للهوية، أو مراجعة صريحة لوظيفة الحزب، أو حتى توافقًا هادئًا على إنهاء دورة وبداية أخرى في صيغة جديدة.
نحو مسؤولية سياسية في إدارة الأفول
أخطر ما قد يصيب حزبًا تاريخيًا ليس التراجع الانتخابي، بل فقدان القدرة على الاعتراف بلحظة الأفول وإدارتها بوعي. فالمسؤولية السياسية لا تقتصر على تدبير الصعود، بل تشمل أيضًا حسن إدارة الانحدار.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: لماذا نستمر؟.
بل أصبح: كيف نستمر إن كان للاستمرار معنى؟.
وكيف نرتب النهاية إن كانت الدورة قد استنفدت شروطها؟.
إن الدعوة إلى نقاش عمومي صريح حول مستقبل الحركة الاتحادية ليست موقفًا عدميًا، بل فعل وفاء عميق للذاكرة التي صنعتها. فالوفاء الحقيقي لا يحرس الأطلال، بل يسائلها، ويختار – إن لزم الأمر – أن يفتح الباب لقطائع محسوبة، تحفظ الكرامة الرمزية وتعيد للسياسة معناها.
ويبقى الأفق مفتوحًا بين خيارين ناضجين:
إما تجديد البداية بشروط واضحة وجريئة،
وإما ترتيب النهاية بتوافق يحفظ الرصيد المشترك من التبديد.
سنواصل بسط مقاربتنا في آطار شعار احتمالي “” كلنا نتحمل المسؤولية ، ولكن علينا تشطيرها بكل حقيقة وإنصاف …فمن يعلق جرس العدالة ؟ ”






