هل يحق لمن ركب قطار الاتحاد أن يتنكر للمحطات التي عبرها قبل أن يقرر النزول؟
وهل يستطيع هذا الراكب أن يمحو من ذاكرته وجوه من التقاهم في تلك العربات، سواء من استمروا معه حتى النهاية، أو من غادروا في محطات سابقة؟
كيف لراكب أن ينسى تلك الأعطاب المتكررة التي أصابت القطار، وكيف تكافل المناضلون واستماتوا لإصلاحها كي يواصل القطار مساره؟
وكيف جرى تهدئة النفوس حين كان القطار يمر بمطبات قاسية كادت تخرجه عن سكته؟
لقد عشنا لحظات قاسية ونحن نراقب بحسرة عربات اختارت الانفصال عن القافلة، ظنا منها أنها تستطيع إكمال الطريق دون "رأس القطار"، ففكت الارتباط، ولم يمض وقت طويل حتى انحرفت عن السكة وتلاشت.
ومع توالي المحطات وطول المسافات، ولدت من رحم القطار توجهات تبنت نفس المسار، لكنها اعتمدت أساليب غريبة لم يعهدها الركاب من قبل.
عاينت كيف صار المتحكمون في القطار يعتمدون "إنزالات مظلية" لوجوه غريبة، تارة باسم التجديد، وتارة باسم الانفتاح، وأحيانا بدعوى "النجاعة الانتخابية".
كان يتم إنزال هؤلاء عبر المروحيات مباشرة إلى قلب العربات، مع منحهم صلاحيات واسعة وصلت حد إلقاء الركاب "المزعجين" من النوافذ، أو الإبقاء على بعضهم مكبلين في زوايا القطار المهملة.
ومع استمرار الرحلة، لاحظ الركاب أن القطار لم يعد يتوقف في المحطات المعتادة لاستقبال ركاب جدد أو توديع آخرين؛
فمن رغب في النزول كان يلقى به من النافذة، ومن أرادوا استقطابه جيء به محمولاً عبر الجو دون حاجة للتوقف.
وفجأة، تحول القطار من وسيلة لنقل البشر والأفكار إلى قطار لنقل البضائع وتجار المصالح.
ساعتها، صار البقاء مستحيلا في قطار فقد هويته وروحه، وكان الخروج منه قدرا محتوما؛ ففضلنا القفز من النافذة بكرامتنا قبل أن يتم رمينا بالإكراه.
اليوم، نقف على قارعة الطريق، لا ننتظر قطارا آخر يقلنا، بل نكتفي بمراقبة قطار الاتحاد بأعين دامعة وهو يسير بسرعة قاتلة نحو المجهول. نراقب أشلاء تتطاير من النوافذ، ونسمع ضجيج مروحيات تنزل الغرباء فوق السقف.
في المحصلة، انتهى المشوار، ولم يعد مهما إن كان الرحيل اختيارا مرا أو إجبارا قسريا.






