إن التوقف الشامل عن مزاولة مهام الدفاع كفيل، دون شك، بإرباك حسابات الحكومة.
فالمسألة لا تتعلق فقط بتوقف مصالح المحامين، بل بتوقف شبكة مصالح مترابطة تشمل الحكومة نفسها، ونواب الأمة، وذويهم، ومحيطهم، ومصالحهم المرتبطة بدورها بملفات رائجة أمام محاكم المملكة.
فمصالح المواطن المغربي و الاجنبي كذلك، والشركات، والبنوك، وشركات التأمين، والضرائب، وملفات الأمن، ومندوبية السجون، كلها تتقاطع مع عمل المحاماة.
ومتى توقفت المحاماة، توقفت معها دواليب الدولة، وتعطلت الواجهات الاستثمارية، واهتز مناخ الثقة.
ولهذا فإن الضغط الذي يعيشه الوزير اليوم أكبر وأقسى من مجرد تعنت، مهما حاول تبريره بالإيكو المتكرر الذي يقدمه للرأي العام، مدعيًا أنه لا يقوم سوى بمهامه الدستورية، وأنه لم يغدر، وأنه تحاور وجالس واستجاب وناقش، متحديًا من يملك ورقة أو مكتوبًا أن يعرضه.
هذا الأسلوب السياسي معروف ومكشوف، والغاية الاستدراجية التي ينتهجها مع مختلف مكونات العدالة أصبحت اليوم واضحة للجميع.
وتصريحاته الأخيرة، التي يسعى من خلالها إلى جر المشروع إلى جدولة التشريع تمهيدًا لتمريره، ثم الإجهاز على ما تبقى من استقلال المحاماة، لم نعد نقرؤها فقط في كلماته، بل في ملامح وجهه وسلوكه.
وزير يؤكد استحالة سحب المشروع بدعوى أنه إجراء دستوري ومساطر تشريعية.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
هل يرى الوزير أن مطلب المحامين بسحب المشروع مطلب مخالف للدستور؟
حين نقول سحب المشروع، فنحن نعلم تمامًا الآليات الدستورية لذلك.
وكما أرسلت الحكومة المشروع إلى البرلمان، فإن لها الصلاحية نفسها لسحبه متى تبيّن لها اختلاله.
والحقيقة التي باتت واضحة اليوم هي أن هذا المشروع ليس مشروع محاماة.
إنه مشروع شخصي، يعكس تصورًا فرديًا، وتصريف حسابات، أكثر مما يعكس إصلاحًا تشاركيًا.
بل يبدو وكأنه محاولة لضمان كينونة داخل مهنة يعلم صاحبها أنه منبوذ داخلها، فصاغ قانونًا يؤمن به نفسه فقط، لا جسد المحاماة.
جميع القوانين، في هذا البلد وفي غيره، تعرف تعديلات جزئية تراكمية، تستجيب للحاجيات عبر الزمن، بناءً على مقترحات الفئات التي تمارس القانون وتعرف متطلباته والتزاماته.
إلا قانون مهنة المحاماة، الذي تم التعامل معه وكأنه لم يكن موجودًا قط.
فتم محو قانون 28.08، وخلق قانون جديد بأرضية جديدة، ومواد تُسطر لأول مرة، دون أي امتداد أو استمرارية، وكأننا أمام محاماة جديدة على مقاس الوزير، وواجهة تخفي لوبيات صامتة بين مواد المشروع.
والدفاع المستميت الذي يقدمه الوزير عن هذا المشروع يثير الاستغراب المشروع:
هل هو إيكو وأنا؟
أم أن هناك من يحرك العرائس من خلف الستار؟
السيد الوزير،
اعلم يقينًا أن إيكو المحاماة أقوى من تعنتك وتخبطك ورهانك علينا.
واعلم أننا قوة لا يُستهان بها.
واعلم أننا لسنا متوقفين عن العمل، بل أوقفنا عجلة مصالحكم داخل المحاكم، وأنكم أول المتضررين من هذا التوقف قبلنا.
وتهديدك العلني للمحامين، والتلويح بتجاوز بعض مواقفنا، لم يزدنا إلا إصرارًا وتصعيدًا.
لقد تركنا محاكم المملكة اليوم.
وأنت محامٍ، فارتدِ بذلتك، وانزل، ونِبْ وآزر المواطنين المغاربة الذين تحاول إيهامهم بأنك في صفهم، ولا تنسَ أن تؤازر مجانًا في إطار المساعدة القضائية.
لأنه بسببك، نحن اليوم لن نؤازر، ولن ننوب في إطار المساعدة القضائية.
وكل من يتقدم إلينا إنسانيًا أو اجتماعيًا، سنوجهه إلى مكتبك، لتقوم أنت بهذه المهمة فنحن لسنا نشتغل في ضيعة الوزارة.






