غرقت مدينة القصر الكبير هذه الأيام تحت مياه أمطار قياسية لم تعرفها من قبل، فكان التدخل السريع للدولة، ممثلة في الجيش والدرك الملكي والسلطات المحلية والوقاية المدنية، لمساعدة المتضررين، خير دليل على الدور الحاضر للمؤسسات العمومية في مواجهة الأزمات.
هنا، عاد "المخزن الحاضن" كما عرفناه عبر التاريخ المغربي، الذي لم يكن مجرد سلطة حاكمة، بل حضنًا للمجتمع في أوقات المحن.
منذ عصور ما قبل الحماية، لم تقتصر الدولة المغربية على الجباية وتنظيم الزكاة والعشور، بل تدخلت لتوفير الحماية والرعاية الاجتماعية، حيث كانت الزوايا والمساجد تؤوي المساكين، وتوزع ما يُجمع من موارد لتخفيف المعاناة، وكان الحكام، من السعديين إلى العلويين، يحرصون على ضبط الموارد لتلبية احتياجات الرعية في الأزمات، من جفاف أو حصار أو كوارث طبيعية.
واليوم، تبدو صور الجيش والوقاية المدنية والسلطات المحلية تتكرر على أرض الواقع، لتؤكد استمرارية هذا الدور، في صيغة حديثة، حيث يصبح "المخزن" مجددًا الحاضن للمواطنين، حاميًا لمصالحهم، ومظهرًا لشرعية الدولة من خلال التدخل العملي في أوقات الحاجة.
عودة هذا الدور تعكس استمرار فلسفة مغربية قديمة: الدولة ليست مجرد سلطة أو قانون، بل حضن يستوعب المجتمع ويخفف عنه في أحلك الظروف، ويمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر، بين التراث الاجتماعي للمغرب وواجبات الدولة الحديثة تجاه مواطنيها.






