أولًا: الحدث الرياضي في سياق جيوسياسي متحوّل
يأتي تنظيم كأس إفريقيا في لحظة إفريقية ودولية دقيقة، تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى داخل القارة. إفريقيا اليوم ليست فقط مجالًا للتنافس الاقتصادي، بل ساحة صريحة لتقاطع رهانات القوى التقليدية (أوروبا، الولايات المتحدة) والقوى الصاعدة (الصين، روسيا، تركيا، دول الخليج). في هذا السياق، تتحول التظاهرات القارية إلى أدوات قوة ناعمة، تُستثمر لتكريس النفوذ الرمزي، وبناء الثقة، وصياغة صورة الدولة القائدة.
لقد راهن المغرب، منذ سنوات، على العودة القوية إلى عمقه الإفريقي، ليس عبر الخطاب فقط، بل من خلال أفعال ملموسة: استثمارات، تعاون جنوب–جنوب، حضور دبلوماسي، ومبادرات تنموية. ويأتي تنظيم كأس إفريقيا ليُترجم هذه الاستراتيجية ميدانيًا، حيث يتحول التراب الوطني إلى فضاء إفريقي جامع، وتتحول الرياضة إلى لغة سياسية غير صدامية، لكنها شديدة الفعالية.
ثانيًا: التنظيم كاختبار لقدرة الدولة في زمن اللايقين
في عالم تتآكل فيه ثقة الشعوب في المؤسسات، ويهيمن فيه منطق الأزمات (صحية، اقتصادية، أمنية، مناخية)، يصبح النجاح في تنظيم تظاهرة كبرى مؤشرًا على متانة الدولة وقدرتها على الضبط والتنسيق والاستشراف.
المغرب لم يُدبّر كأس إفريقيا بمنطق الحد الأدنى، بل بمنطق الدولة المنظمة التي تمتلك رؤية، وتراكم خبرة، وتشتغل بمنطق النسق:
• انسجام بين المركز والجهات
• تكامل بين الأمن والخدمات واللوجستيك
• تعبئة متعددة المستويات (عمومي، شبه عمومي، خاص)
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالنجاعة، بل بإرسال رسالة ضمنية: الدولة حاضرة، قادرة، ومتحكمة في زمن يسوده التفكك.
ثالثًا: التحول الرقمي وإعادة تشكيل التجربة الرياضية
لا يمكن فهم تنظيم كأس إفريقيا دون استحضار التحول الرقمي العميق الذي يطال الرياضة بوصفها صناعة ورمزًا. فالجمهور لم يعد فقط في المدرجات، بل في الفضاء الرقمي: منصات التواصل، البث المباشر، التحليلات الفورية، وصناعة الرأي.
في هذا السياق، شكّل التنظيم المغربي اختبارًا مزدوجًا:
• تقنيًا: في تدبير التدفقات البشرية، التذاكر، النقل، السلامة، والاتصال.
• رمزيًا: في إدارة الصورة الرقمية للمغرب، حيث أصبح كل مشهد قابلًا للانتشار، وكل خطأ قابلًا للتضخيم، وكل نجاح قابلًا للتحويل إلى رأسمال رمزي.
غير أن التحول الرقمي يحمل وجهًا آخر: هشاشة السردية. فالأحداث غير الرياضية، مهما كانت محدودة، يمكن أن تُستثمر رقميًا خارج سياقها، ضمن حروب سرديات لا تقل خطورة عن الصراعات التقليدية. وهو ما يفرض على الدولة الانتقال من منطق التواصل الظرفي إلى استراتيجية سيادية للاتصال الرقمي.
رابعًا: التحولات المجتمعية وسؤال النضج الجماعي
أبرزت كأس إفريقيا أيضًا تحولات عميقة داخل المجتمع المغربي نفسه. فقد تلاقى في الفضاء العام جمهور محلي متنوع، وجمهور إفريقي متعدد الخلفيات، في لحظة احتكاك كثيف. هذا الاحتكاك كشف عن:
• تطور ملحوظ في سلوك الجماهير
• بروز وعي جماعي بأهمية الصورة
• لكن أيضًا استمرار توترات كامنة مرتبطة بالهويات، والانفعالات، وثقافة المنافسة
وهو ما يطرح سؤالًا مركزيًا: إلى أي حد نجح المجتمع في الانتقال من منطق المشجع الانفعالي إلى منطق المواطن الواعي بدوره الرمزي داخل حدث دولي؟
خامسًا: الاقتصاد السياسي للرياضة
اقتصاديًا، لا يمكن اختزال كأس إفريقيا في مداخيل ظرفية. الحدث يدخل ضمن اقتصاد سياسي للرياضة، حيث تصبح الاستثمارات في الملاعب، البنيات التحتية، والتكوين، جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى:
• تعزيز الجاذبية الترابية
• استقطاب الاستثمارات
• توطين صناعات وخدمات رياضية
• الاستعداد لاستحقاقات عالمية أكبر
لكن الرهان الحقيقي يكمن في ما بعد الحدث: قدرة الدولة على تحويل النجاح التنظيمي إلى سياسات عمومية مستدامة، وتفادي منطق “الحدث العابر”.
ختاما، لم يكن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا مجرد بطولة ناجحة، بل كان مرآة عاكسة لتحولات الدولة والمجتمع في زمن معقد. فقد أظهر المغرب قدرة معتبرة على التنظيم، والتموقع، وصناعة الصورة، لكنه كشف أيضًا عن تحديات جديدة تتطلب أدوات جديدة: في الاتصال، التربية الرياضية، وإدارة الاختلاف.
إن المغرب، من خلال هذا الحدث، لم ينظم كأسًا فقط، بل خاض تمرينًا في السيادة المعاصرة، حيث تتقاطع الجيوسياسة بالرقمنة، والرياضة بالهوية، والتنظيم بالشرعية.






