وأنا أتجول في الفيسبوك طالعني حبيبي عمر الشرقاوي، وهو يتناول موضوع إحالة مشروع قانون مجلس الصحافة على المحكمة الدستورية ...قلت سأعيره بعض الدقائق واستمع اليه، وكذلك كان إلى أن قال عن المحكمة الدستورية إنها دركي الدستور ...خرمت الكلمة طبلة أذني...قولت حباس... وأنا المهووس بتدقيق المصطلحات والمفاهيم ...لو صدر هذا النعت عن صحافي لما أعرته اهتماما، ولكن أن يصدر عن أستاذ جامعي، ربما يدرس القانون الدستوري ...فهنا لا بد وأن اتبرع على الدكتور الشرقاوي بدرس في الفقه الدستوري عله يتعلم توظيف المصطلحات الدستورية والقانونية في مكانها وسياقها ..
*اليك الدرس*
مقدمة
يُعدّ ضبط المفاهيم شرطا أساسيا في الدراسات الدستورية، إذ لا يقتصر الخلاف حول المؤسسات على اختصاصاتها فحسب، بل يمتد إلى اللغة التي نَصِف بها وظائفها. وفي هذا الإطار، يثير استعمال توصيفات ذات حمولة أمنية، من قبيل «دركي الدستور»، إشكالا نظريا يتعلق بطبيعة المحكمة الدستورية وحدود وظيفتها داخل النسق الدستوري. فهل يمكن، من منظور الفقه الدستوري، اعتبار المحكمة الدستورية جهاز ضبط وحراسة بالمعنى الأمني؟ أم أن هذا الوصف يعكس انزلاقا مفاهيميا بين منطق الدولة القانونية ومنطق الدولة الأمنية؟
للإجابة عن هذا السؤال، تقتضي الدراسة العودة إلى تصورات المدارس الدستورية الكبرى، وتحليل موقع المحكمة الدستورية داخل كل تصور.
أولًا: المدرسة المعيارية الكلسنية ووظيفة الحراسة الدستورية
ترتبط نشأة القضاء الدستوري الحديث بالنظرية المعيارية التي أسس لها هانس كلسن، والتي تنطلق من فكرة تدرج القواعد القانونية وسمو الدستور في قمتها. ووفق هذا التصور، لا يكون الدستور فاعلا بذاته، بل يحتاج إلى آلية تضمن احترامه، وهو ما يبرر إحداث المحكمة الدستورية باعتبارها حارسا للدستور.
وتتمثل وظيفة هذه الحراسة في الرقابة على مطابقة القوانين للدستور، عبر آلية قانونية محضة قوامها الإلغاء أو التصريح بعدم الدستورية. ولا تتضمن هذه الوظيفة أي بعد تنفيذي أو زجري، إذ تظل المحكمة محصورة في المجال المعياري والتجريدي. ومن ثم، فإن وصف المحكمة الدستورية بـ«دركي الدستور» يتعارض مع جوهر التصور الكلسني، لأنه يفترض وجود سلطة مادية وقسرية، في حين أن سلطة المحكمة سلطة قانونية خالصة.
ثانيًا: المدرسة الليبرالية ومبدأ الفصل بين السلطات
في الفقه الدستوري الليبرالي، خاصة في التجارب الدستورية المتأثرة بفكر مونتسكيو وماديسون، تُفهم المحكمة الدستورية باعتبارها آلية لضمان التوازن بين السلطات، لا كجهاز رقابة فوقي يمارس الوصاية أو الضبط.
فالقضاء الدستوري، في هذا السياق، يؤدي وظيفة التحكيم الدستوري بين السلط، عبر تفسير النص الدستوري وضمان احترام حدوده. ويُعدّ أي توصيف أمني للمحكمة الدستورية خلطا بين الوظائف الدستورية، لأنه يدمج بين منطق الحكم القضائي ومنطق الضبط التنفيذي، وهو ما يتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات وروح الدولة الليبرالية.
ثالثًا: المدرسة الواقعية وحدود الحياد القضائي
تذهب المدرسة الواقعية في تحليلها للقضاء الدستوري إلى أن المحكمة، وإن اشتغلت بأدوات قانونية، فإنها لا تنفصل كليا عن السياق السياسي. فهي تتدخل في لحظات الصراع الدستوري، وتحسم قضايا ذات آثار سياسية عميقة، مما يجعلها فاعلا مؤثرا في النظام السياسي.
غير أن هذا الاعتراف بالطابع السياسي لوظيفة المحكمة لا يبرر تحويلها إلى جهاز ضبط أو ردع. فحتى ضمن المقاربة الواقعية، تظل تدخلات المحكمة مؤطرة بمنطق قانوني، ولا ترقى إلى ممارسة سلطة أمنية أو تنفيذية. وعليه، فإن استعمال توصيف «دركي الدستور» في هذا السياق لا يعدو أن يكون مجازا إعلاميا يفتقر إلى الدقة العلمية.
رابعًا: القضاء الدستوري في الأنظمة السلطوية
في بعض الأنظمة ذات الطابع السلطوي، تنحرف وظيفة المحكمة الدستورية عن دورها الأصلي، لتتحول إلى أداة لتثبيت النظام السياسي وضبط الحقل الحزبي والمؤسساتي. في هذه الحالة، تصبح المحكمة جزءا من منظومة الضبط السياسي، لا آلية لحماية سمو الدستور.
هنا يكتسب توصيف «دركي الدستور» بعدا وصفيا نقديا، لا باعتباره توصيفا مشروعا لوظيفة القضاء الدستوري، بل باعتباره مؤشرا على اختلال النسق الدستوري ذاته.
خامسًا: المحكمة الدستورية في السياق المغربي
في النظام الدستوري المغربي، تمارس المحكمة الدستورية اختصاصات محددة بدقة، تشمل مراقبة دستورية القوانين، والبت في النزاعات الانتخابية، وتفسير بعض المقتضيات الدستورية. وهي لا تتحرك إلا بناء على إحالة، ولا تمتلك أي وسيلة تنفيذية أو قسرية.
وبناء على ذلك، فإن توصيف المحكمة الدستورية بـ«دركي الدستور» لا ينسجم مع طبيعتها القانونية ولا مع موقعها داخل البناء الدستوري المغربي، وإن كان هذا التعبير قد يُستعمل مجازيا في الخطاب السياسي للتدليل على دورها في حماية علوية الدستور.
صفوة القول ، أن المحكمة الدستورية، وفق مختلف المدارس الدستورية، تُعدّ حارسا للدستور لا جهاز ضبط له، وأن استعمال المصطلحات ذات الحمولة الأمنية يعكس التباسا في الوعي الدستوري أكثر مما يعكس توصيفا دقيقا للوظيفة. فالدستور، في الدولة القانونية، يُحمى بالقواعد والمؤسسات، لا بالأجهزة، وبالقضاء، لا بالضبط.






