مجتمع وحوداث

بوعياش تؤكد أن الذكاء الاصطناعي والتضليل يضعان الديمقراطية أمام اختبار "وجودي"

كفى بريس
أكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في افتتاح المؤتمر العاشر حول حقوق الإنسان وقوانين الانتخابات المنعقد صباح الجمعة بمدينة مراكش، أن التحولات التكنولوجية السريعة والمتسارعة تضع الديمقراطيات المعاصرة أمام اختبار بنيوي ومستقبلي غير مسبوق يكاد يكون وجودياً، مبرزة أن نقاش اليوم لا يتعلق فقط بتقاطع الفضاء الرقمي مع العمليات الانتخابية، بل يلامس في العمق كيفية حماية الحقوق والحريات الأساسية وتحصين المسارات الديمقراطية في زمن يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل المجال العمومي والتأثير المباشر في شروط المشاركة السياسية وتكوين الإرادة الجماعية للمواطنين.

وأوضحت الرئيسة خلال هذا المؤتمر الدولي، الذي تتمحور دورته العاشرة حول موضوع "الانتخابات وحقوق الإنسان في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي" وينعقد لأول مرة في دولة إفريقية قبل أن ينتقل إلى آسيا في دورته المقبلة، أن الاختيار الرمزي لمدينة مراكش لاحتضان هذا النقاش يتماشى مع تاريخها كعاصمة لتلاقح الأفكار والتفاعل بين الثقافات، وينسجم مع حجم الرهانات المرتبطة بمستقبل النقاش العمومي في ظل ثورة رقمية تتيح فرصاً غير مسبوقة لتعزيز فعالية الحقوق والشفافية الانتخابية، وتطوير آليات الرصد بأقل تكلفة، لكنها تفرض في المقابل تحديات معقدة تمس حرية الاختيار ونزاهة الفضاء العام الذي أصبحت تتحكم في تدفق المعلومات داخله خوارزميات ونظم معقدة، غير مرئية وغير شفافة في كثير من الأحيان.

وحذرت رئيسة المجلس من آفة التضليل والمعلومات المضللة التي اعتبرتها تحدياً عابراً للحدود يهدد سلامة العمليات الانتخابية ويضرب الثقة الضرورية في المؤسسات الديمقراطية، خاصة مع الطفرة النوعية للذكاء الاصطناعي التي جعلت من الصعب التمييز بين الحقيقي والمفبرك نتيجة التطور المتسارع لتقنيات التزييف العميق والتوليد الآلي للمحتوى، مشيرة إلى أن الخوارزميات تعيد ترتيب أولويات انتشار المعلومات وفق منطق التفاعل والإثارة والانفعالات عوض معايير الدقة والموثوقية، مما يمنح الشائعات قابلية أكبر للانتشار بسرعة تفوق قدرة المجتمعات على التحقق، ويفتح الباب أمام فاعلين خارجيين وشبكات غير نظامية للتلاعب بالوعي الجماعي وتشويه مصداقية النتائج الانتخابية.

وشددت الكلمة الافتتاحية على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو مقاومة الذكاء الاصطناعي وشيطنته، بل في القدرة الجماعية على صياغة حكامة رقمية ديمقراطية تضمن بقاء الإنسان وحقوقه وحرياته في قلب هذه الديناميات الجديدة من التصميم إلى الاستخدام، وتأطير هذه النظم ضمن أفق حقوقي واضح يحمي استقلالية الأفراد ويفكك مخاطر الاستقطاب والسرديات المبسطة المشحونة بالانفعالات التي تجزئ المجال العمومي المشترك.

وفي سياق التفاعل المؤسساتي مع هذه المستجدات، أفادت الرئيسة بأن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، انطلاقاً من اختصاصاته في ترأس اعتماد ملاحظي الانتخابات، انكب على إدماج عمليات تحليل الخطاب الرقمي وتتبع ديناميات شبكات التواصل الاجتماعي منذ محطة انتخابات 2021، معلنة أن المجلس سيواصل جهوده خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026 عبر تطوير آليات التدقيق الرقمي، وتجويد آليات الملاحظة، وتعزيز قدرات الملاحظين لرصد المؤشرات المبكرة للمخاطر واستثمار المعطيات بشكل منهجي.

وفي ختام كلمتها، دعت رئيسة المجلس المشاركين في المؤتمر إلى تتويج الأشغال بوثيقة ختامية تؤسس لفضاء منتظم ومستدام للحوار وتبادل الخبرات والتفكير الجماعي بين الفاعلين والباحثين والمؤسسات من مختلف دول الجنوب العالمي، مؤكدة على المسؤولية المشتركة في بناء حكامة تكنولوجية تضمن ألا تكون الرقمية عاملاً لإضعاف الديمقراطية، بل أداة لتعزيز الحرية، والعدالة، والمشاركة السياسية الآمنة والتعددية.