روح الدستور: إستقلال لا يستعار وديمقراطية لا تزيف
جعلت المحكمة من الفقرة الثالثة من الفصل 28 مرجعا تأسيسيا، إذ ورد فيها: “تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به.”
وخلاصتها البسيطة: كل مقتضى يفرغ الإستقلال من معناه، أو يقلص الديمقراطية داخل الهيئة، يكون عرضة للسقوط، مهما بدا محكما في ظاهره.
من يكتب “حالة الحرية”؟ ومن يستبعد من سردها؟
أثارت المحكمة تلقائيا عدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 4، لأن النص حصر الإشراف على التقرير السنوي في جهة واحدة: “ويتولى عضوا المجلس من الناشرين الحكماء المشار إليهما في البند “ب” من المادة 5 أدناه الإشراف على إعداد التقرير السنوي المذكور.”
ومن زاوية صحافية قانونية، التقرير السنوي ليس وثيقة محاسبية باردة؛ إنه رواية مؤسساتية عن حرية الممارسة وأوضاع الصحافة. فإذا كتب تحت إشراف مكون واحد، تراجعت المشاركة وتضعضعت التعددية، داخل هيئة يفترض أن تعكس المهنة بكل أطرافها لا أن تعكس وجهة نظر جزء منها.
ميزان المقاعد: حين تصبح الأرقام سياسة
في المادة 5 (البند ب)، قرأت المحكمة التمثيل بوصفه قوة قرار لا مجرد توزيع شكلي. فحين ترجح المقاعد بما يفضي إلى غلبة عددية لفئة على أخرى، يصبح التنظيم الذاتي قابلا للتحول إلى إدارة مصالح. لذلك إعتبرت المحكمة أن هذا الميل العددي يمس الأسس الديمقراطية التي إشترطها الدستور لتنظيم القطاع.
إحتكار مقنن: عندما يتحول “الفائز” إلى ممثل وحيد
بدت المادة 49 أكثر صراحة من أن تحتمل تأويلا مطمئنا، إذ جاء فيها:
“تفوز المنظمة المهنية التي حصلت على أكبر عدد من الحصص التمثيلية بجميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين بالمجلس.
في حالة تعادل الحصص التمثيلية بين منظمتين مهنيتين أو أكثر تفوز المنظمة المهنية التي تشغل أكبر عدد من المستخدمين العاملين في قطاع الصحافة والنشر، بجميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين.”
هذا منطق “الفائز يأخذ كل شيء”: قد يرضي منطق السرعة، لكنه يقتل التعدد. لذلك ربطت المحكمة هذا المقتضى بروح الفصل 8 الذي يتحدث عن “المنظمات المهنية” بصيغة الجمع: “تساهم… والمنظمات المهنية للمشغلين، في الدفاع عن الحقوق… والفئات التي تمثلها…”
ومغزى ذلك واضح: لا دستورية لتمثيل ينتهي عمليا إلى إلغاء الحق في وجود منافسة مهنية داخل الفئة نفسها، لأن الإحتكار ينتج صمتا تنظيميا لا تعددية.
إستئناف بلا حياد: طعن داخل الدائرة نفسها
في المادة 93، إنتقلت المحكمة من منطق التمثيل إلى ضمانات العدالة التأديبية. فالإستئناف ليس درجة شكلية، بل فرصة لإصلاح محتمل. لذلك قررت المحكمة قاعدة الحياد بعبارة دقيقة:
“الجهة التي تبت في الطعن سواء كانت قضائية أو إدارية، يجب أن تكون مجردة من كل موقف مسبق، وألا يشارك في مداولاتها وإتخاذ القرار الصادر عنها، من سبق له الحضور من أجل المساهمة في إتخاذ القرار المطعون فيه أو إبداء رأيه في الموضوع؛”
وبصياغة أبسط: لا يجوز أن يجلس في هيئة الإستئناف من كون موقفا مسبقا في الملف، لأن ذلك يفرغ الطعن من وظيفته ويضعف الثقة في العدالة التأديبية.
التناسق التشريعي: حسن النية لا يكفي
ومن بين المواد التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها أيضا الفقرة الأولى من المادة 57، في تذكير مهم بأن المحكمة لا تكتفي بمقاصد المشرع، بل تمتحن إنسجام الوسائل مع البنية القانونية العامة. والرسالة هنا: حتى المبادئ المحمودة، إن صيغت دون أدوات منسجمة داخل القانون، قد تسقط لا رفضا لغايتها، بل لإضطراب بنائها.
منطوق الحسم: بتر قبل التنفيذ
إنتهى القرار إلى منطوق صريح: “المواد 4 (الفقرة الأخيرة) و5 (البند ب) و49 و57 (الفقرة الأولى) و93، مخالفة للدستور؛”
ومعنى ذلك عمليا أن هذه المقتضيات لا تفعل بصيغتها الحالية، وأن الباب يفتح لإعادة صياغتها بما يضمن توازنا تمثيليا، وتعددية داخل المكونات، ومساطر تأديبية قائمة على الحياد لا على إعادة إنتاج القرار نفسه.
إنتصار الدستور
إذا بدا القرار للبعض “إنتصارا صغيرا”، فهو في جوهره إنتصار لمعيار أكبر: أن التنظيم الذاتي للصحافة لا يكون ذاتيا حقا إلا إذا كان متوازنا، تعدديا، وعادلا. وما عدا ذلك، مهما تلطف في العبارة، قد ينتهي جهازا يستهلك الشرعية بدل أن يحميها.






