لم يكن قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26، الصادر بتاريخ 22 يناير 2026، محطة تقنية في مسار تشريعي عادي، بل لحظة سياسية وقانونية فاصلة، وضعت حدًّا لمسار كان يسير في اتجاه واحد: تفريغ التنظيم الذاتي للصحافة من جوهره، وإعادة إخضاعه لمنطق الضبط والهيمنة.
المحكمة لم تُلغِ مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة رقم 026-25، لكنها أعادته إلى المشرّع مشروطا بتصحيح اختلالات دستورية عميقة. وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن ما كان يُسوَّق كإصلاح لم يكن، في عمقه، سوى محاولة لإعادة هندسة مؤسسة مهنية على مقاس السلطة، لا على مقاس المهنة.
ليست تقنية بل فلسفة تشريعية مرفوضة
حين أسقطت المحكمة خمس مواد محورية، لم تفعل ذلك بسبب أخطاء في الصياغة، بل لأنها تمسّ جوهر المبادئ الدستورية: التعددية، التمثيلية، الحياد، واستقلال الهيئات.
منطق “الغالب يأخذ كل شيء”
المادة 49كانت تنص على منح جميع مقاعد الناشرين للهيأة التي تحصد أكبر عدد من الأصوات.
هذا ليس تمثيلا، بل احتكار مُشرعن، يناقض فلسفة الديمقراطية التعددية، ويحوّل المجلس إلى أداة أحادية الصوت.
تمثيلية مفصّلة على المقاس: المادة 5 ) البند ب (جاءت لتُكرّس خللا بنيويا في تمثيل مكونات المهنة.
المحكمة قالت بوضوح: التمييز غير المبرَّر يُقوّض شرعية المجلس.
عدالة تأديبية بلا حياد؟
من بين المخاطر التي وردت في المشروع كان ما ورد في المادة 93.. كيف يمكن لمن يترأس لجنة الأخلاقيات أن يكون جزءا من هيئة الطعن في قراراتها؟
هذا خلط بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم، ويُحوّل المسطرة التأديبية إلى أداة ضبط.
التنظيم الذاتي أم إدارة بيروقراطية للمهنة؟
المشكل ليس في التفاصيل، بل في المنطق.
فالمشروع، في صيغته الأصلية، لم يُراهن على مهنة تُنظم نفسها بنفسها، بل على مجلس يُدار من أعلى، وتُضبط تركيبته وآلياته بما يخدم توازنات سياسية، لا مهنية.
المحكمة، بقرارها، رفضت هذه الفلسفة، وأعادت الاعتبار لمبدأ دستوري بسيط:
لا استقلال بلا تمثيل حقيقي، ولا تنظيم ذاتي بلا حياد.
الكرة الآن في ملعب البرلمان
اليوم، الكرة ليست فقط في ملعب البرلمان، بل في ضمير التشريع نفسه.
فبموجب الدستور، لا يملك المشرّع أي هامش للالتفاف على مضمون القرار؛ إذ لا يمكن إصدار القانون إلا بعد تعديل المواد التي صرّحت المحكمة بعدم دستوريتها، وفقا للتعليل الملزِم الذي رسم حدود الجائز والممنوع.
غير أن الامتحان الحقيقي لا يكمن في إعادة الصياغة التقنية، بل في النية السياسية التي ستقودها.
هل سيستحضر البرلمان روح القرار الدستوري، باعتباره حماية لمبدأ التنظيم الذاتي واستقلال المهنة؟
أم سيبحث عن مخارج لغوية والتواءات تشريعية تُغيّر العبارات، بينما تُبقي المنطق نفسه قائما: منطق التحكم بدل الثقة، والضبط بدل الاستقلال؟
إننا أمام لحظة تشريعية فارقة،
إما أن تُعيد الاعتبار للدستور كمرجعية فوق كل الحسابات،
أو تؤكد، مرة أخرى، أن الأزمة ليست في النصوص، بل في الإرادة.
فواصل لابد منها..
هذا القرار، في جوهره، ليس لحظة انتصار نهائي، ولا نهاية لمعركة التنظيم الذاتي، بل منعطف تاريخي مشروط تُفتح فيه كل الاحتمالات.
إنه فرصة نادرة لإعادة بناء المجلس الوطني للصحافة على أسس ديمقراطية حقيقية، تُجسّد استقلال المهنة، وتُحصّنها من كل أشكال التوظيف السياسي أو الإداري، وتعيد الاعتبار لروح الدستور التي تجعل من التنظيم الذاتي امتدادا لحرية التعبير، لا قيدا عليها.
لكن هذه الفرصة، كما هي ثمينة، هي أيضا هشّة.
فكما يمكن أن تُفضي إلى تأسيس مجلس مهني مستقل، تعددي، محايد، وشرعي في تمثيليته، يمكن في المقابل أن تتحول إلى مجرد محطة تقنية لإعادة إنتاج نفس المنطق القديم، بمنهج أكثر التفافا وأقل وضوحا، خصوصا إذا انعدمت الإرادة السياسية للتغيير.. حيث تتغير الصياغات، وتبقى الفلسفة كما هي: التحكم بدل الاستقلال، والضبط بدل الثقة، والوصاية بدل التنظيم الذاتي.
إن الرهان، إذن، لم يعد قانونيا فقط، بل أصبح سياسيا وأخلاقيا في آن واحد.
فإذا فقدت الصحافة قدرتها على تنظيم نفسها بنفسها، فإنها تفقد أحد آخر خطوط دفاعها عن الحرية، وتتحول من سلطة مجتمعية رقابية إلى وظيفة مُدجَّنة داخل منظومة الضبط.
ومن هنا، فإن ما يجري اليوم ليس نقاشا حول مواد قانونية،
بل معركة حول مستقبل الصحافة نفسها:
هل تكون فضاءً مستقلّا للنقد والمساءلة،
أم جهازا مُروَّضا داخل هندسة الوصاية؟






