هذه الليلة، ودعنا بدوره محمد بودهان، واحد من أنزه مناضلي وأعظم مفكري الحركة الأمازيغية بالمغرب.
رحل بودهان كما رحل أوزين أحرضان، وحسن بنعقية، وإبراهيم أخياط، وأحمد أدغرني، ومحمد أجعجاع، ومحمد منيب، وعبد المالك أوسادن، ومحمد بحري، وصدقي أزايكو.. وغيرهم كثير. رحلوا جميعا في صمت.
تعرفت على محمد بودهان أول مرة في أكتوبر 1994 بمقر مجلة "تيفيناغ" بالرباط، المجلة التي كان يديرها الراحل أوزين أحرضان. كان قادما من مدينة الناظور بالريف برفقة المناضل والأستاذ الجامعي محمد الشامي.
خلال هذا اللقاء، تعرفت على "الفيلسوف" بودهان الذي نشرت له مقالات في المجلة وستنشر له لاحقا مقالات أخرى بأسبوعية "تيدمي".
بعد صدور أسبوعية "أكراو أمازيغ" التي تحملت رئاسة تحريرها تم مدير نشرها فيما بعد، أجريت حوارات عديدة مع محمد بودهان، هذا المفكر الريفي الكبير الذي كانت له نظرية فلسفية في بناء هوية الوطن. كان بودهان يؤكد دوما أن الأرض، وليست الايديولوجيا، من تحدد هوية شعب.
في بداية 1997، جاء بودهان من الناظور إلى الرباط عبر الحافلة وفي يده ظرف من الحجم الكبير بداخله وثائق كان يريد أن يعرضها على الراحلين أوزين ووالده محجوبي أحرضان. فتح بودهان الظرف وأخرج منه مشروع حياته: جريدة "ثاويزا" الشهرية التي ستطبع، فيما بعد، في مطابع "التكتل الوطني" بتمارة وسيصدر منها بعد ذلك 184 عددا.
كنا، أنا والصديق رشيد بوروة، فك الله أسره، الذي كان آنذاك المشرف التقني على المطبعة وأصله أيضا من الناظور، تطوعنا للإشراف على مساعدة بودهان على طبع أعداد جريدة "ثاويزا" كل شهر وإرسال نسخ منها عبر الحافلة من محطة القامرة بالرباط صوب مدينة الناظور حيث كان يتسلمها مبدعها محمد بودهان ليوزعها محليا، فيما كان يتم توزيع باقي نسخ الجريدة على الصعيد الوطني من قبل شركة للتوزيع.
سامحنا الله، أنا والصديق رشيد، فقد كنا "نسرق" بعض الورق من جريدة الحزب لكي نطبع بها نسخ إضافية من جريدة "ثاويزا" وكنا نضحك كثيرا بعد اقتراف هذه الجريمة.. سنوات بعد ذلك، كشفت للراحلين أحرضان وأوزين عن هذه "السرقة" في حق جريدة حزبهما، فضحكا بدورهما كثيرا ..
في مارس 2000، ظهر المفكر بودهان كواحد من مبدعي ملحمة "بيان من أجل الإعتراف بأمازيغية المغرب"، والذي وقعه 229 مناضلا ومناضلة أمازيغيين ورفع البيان بعد ذلك إلى الديوان الملكي (الصورة).
في 2001، سيكون المفكر محمد بودهان واحدا ممن تم تعيينهم بالمجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وكان بديهيا أن يتم تعيينه بهذه المؤسسة الملكية نظرا لما كان يحضى به الفقيد من تقدير خاص لدى العميد المؤسس للمعهد، الأكاديمي الدكتور محمد شفيق، أطال الله عمره.
في 2005، كان محمد بودهان محبطا للغاية من جراء تعامل بعض القطاعات الحكومية مع اللغة الأمازيغية، فقرر مع ستة من أعضاء آخرين الانسحاب من المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. كان، إلى جانب الراحل حسن بنعقية، من خططا وأقنعا باقي المنسحبين، وشكل هذا القرار هزة سياسية كبرى ..
بعد ذلك، عاد بودهان إلى "قلعته" بالناظور معتكفا على جريدته "ثاويزا" والتي أصبحت منبرا لتصريف نظريته حول ظرورة "أمزغة الدولة" من خلال دسترة الأمازيغية كهوية أصيلة للمغرب.
في2011، وعلى إثر ما يسمى ب "الربيع العربي"، سيلقي الملك محمد السادس خطابا تاريخيا أقر فيه بأن الأمازيغية هي صلب الهوية المغربية. شهور بعد ذلك، صدر الدستور الجديد واعتبرت فيه الأمازيغية مجرد رافد من روافد الهوية المغربية ولغة رسمية "أيضا" للمغرب. تم تلكأت الحكومة الإسلامية التي جاءت بعد هذا "الربيع" في إقرار القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، تم .. إلى غاية ما نعيشه اليوم ..
أكيد أن المفكر الفيلسوف محمد بودهان قد توفي وفي نفسه حسرة وألم شديدين لا يوازيهما سوى حسرة وألم فقدانه لإبنيه، رحمهما الله، ورحم المفكر العظيم بودهان ..
ⴰⴷ ⵙⴳⵓⵏⴼⵓⵏ ⵉⵎⴰⵏ ⵏⵏⵙ ⴳ ⵓⴼⵔⴰ.






