رأي

نبيل شيخي: بنية القرار الأمريكي الراهن: مقاربة تحليلية على ضوء كتاب “هزيمة الغرب” لـ”إمانويل تود”

يشكل كتاب “هزيمة الغرب” (La défaite de l’Occident- 2024) للمؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي إيمانويل تود، وثيقة تحليلية هامة في فهم التحولات الجيوسياسية المعاصرة، إذ يبتعد فيه المؤلف عن السرديات التقليدية التي تركز على صعود القوى الشرقية كسبب وحيد لتراجع الغرب، ليؤكد بدلاً من ذلك أن “الهزيمة” هي نتاج تفكك داخلي بنيوي تعاني منه المنظومة الغربية، وفي القلب منها الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل الفصل الثامن من الكتاب، المعنون بـ “طبيعة أمريكا: الأوليغارشية والعدمية – La vraie nature de l’Amérique : oligarchie et nihilisme “، يمثل حجر الزاوية في هذا الطرح، حيث يشرح تود الميكانزمات النفسية والاجتماعية التي حولت القوة العظمى من ديمقراطية ليبرالية ذات مرجعية بروتستانتية إلى كيان أوليغارشي تحكمه العدمية. واستناداً إلى هذا الإطار النظري، يمكن قراءة حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليس كحدث عسكري أو استخباراتي معزول، بل كتجسيد عملي ومتطرف للمآلات التي وصل إليها العقل السياسي الأمريكي كما وصفه تود، حيث تتلاشى الحدود بين الدولة ورجال العصابات، وحيث يصبح العنف العاري بديلاً عن الاستراتيجية في عالم فقدت فيه واشنطن بوصلتها الأخلاقية والدينية.


إن المدخل لفهم عملية الاختطاف هذه استنادا لمنظور تود يبدأ من مفهوم “العدمية” (Nihilisme) الذي خصص له حيزاً واسعاً في الفصل الثامن؛ حيث يرى أن الولايات المتحدة قد وصلت إلى “الحالة الصفرية للدين”، حيث تبخرت الأخلاق البروتستانتية (WASP culture) التي كانت تاريخياً تضبط إيقاع الرأسمالية وتكبح جماح السلوك الفردي والجماعي، ومع غياب هذه المرجعية، لم يحل محلها نظام قيمي جديد، بل حل الفراغ والعدمية التي تعني في جوهرها “حب اللاشيء” أو الرغبة في الفعل لمجرد الفعل دون غاية أخلاقية عليا. ومن هنا، فإن إقدام دولة بحجم الولايات المتحدة على انتهاك سيادة دولة أخرى واختطاف رئيسها الشرعي -بغض النظر عن الموقف السياسي منه- يمثل ذروة السلوك العدمي؛ فهذا الفعل لا ينتمي إلى تقاليد الدبلوماسية الدولية ولا حتى إلى منطق “السياسة الواقعية” الكلاسيكية التي تحسب العواقب، بل ينتمي إلى منطق الاندفاع الغريزي لقوة غاشمة لم تعد تؤمن بأي قواعد ملزمة، حتى تلك القواعد التي وضعتها هي نفسها عقب الحرب العالمية الثانية.


يرتبط هذا السلوك العدمي ارتباطاً عضوياً بما يسميه تود في الفصل ذاته بتحول أمريكا من “الديمقراطية” إلى “الأوليغارشية”، حيث يجادل بأن الكتلة السكانية الأمريكية لم تعد هي صاحبة القرار، وأن النخبة الحاكمة انفصلت تماماً عن الواقع وعن هموم الشعب، لتشكل طبقة مغلقة تدير العالم وكأنه ملكية خاصة. إن قرار اختطاف رئيس دولة أجنبية هو قرار أوليغارشي بامتياز، يعكس مصالح فئة ضيقة من المجمع العسكري-الاستخباراتي واللوبيات المالية التي تعتاش على الحروب والأزمات (“الكينزية العسكرية” كما يلمح تود)، ولا يعكس مصلحة المواطن الأمريكي الذي يعاني من تدهور مستويات المعيشة والتعليم. وفي ضوء هذا الفصل، يظهر الاختطاف كمحاولة هروب للأمام من قبل هذه الأوليغارشية التي تعجز عن حل مشاكلها الداخلية، فتلجأ إلى استعراض القوة في الخارج عبر عمليات “هوليوودية” الطابع، تهدف إلى إشباع نرجسية القوة لدى النخبة وإلهاء الداخل، أكثر مما تهدف إلى تحقيق نصر جيوسياسي حقيقي ومستدام.


علاوة على ذلك، يسلط الفصل الثامن الضوء على مفهوم “اختفاء الدولة القومية” في أمريكا لصالح ما يمكن تسميته بـ “الدولة المفترسة”، حيث يلاحظ تود أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد منتجاً بل أصبح اقتصاداً طفيلياً يعتمد على امتصاص ثروات العالم عبر الدولار والآليات المالية والتدخل العسكري المباشر. وفي حالة فنزويلا، يغدو الاختطاف عملية سطو مسلح على مستوى الدول، تهدف إلى وضع اليد على الموارد النفطية الهائلة لتغذية هذا الاقتصاد المفترس الذي فقد قدرته على المنافسة الصناعية الحقيقية. إن تود يوضح بشكل عام أن الغرب، بقيادة هذه النسخة المشوهة من أمريكا، بات يتصرف ككيان “مافيوي” لا يرى في القانون الدولي سوى عائق يجب تحطيمه، وهذا ما يفسر الجرأة غير المسبوقة في تنفيذ عملية الاختطاف التي تضرب عرض الحائط بكل اتفاقيات فيينا للعلاقات الدبلوماسية؛ فالعدمية تعني أيضاً غياب المحرمات (Tabous)، وحين تسقط المحرمات الدبلوماسية، يتحول العالم إلى غابة تحكمها شريعة القوة المطلقة.


نقطة جوهرية أخرى يثيرها تود في تحليله لطبيعة أمريكا الراهنة، وهي العزلة عن “بقية العالم”. يرى تود أن الغرب يعيش في فقاعة ويعتقد أن قيمه (أو بالأحرى لا-قيمه الحالية) عالمية، بينما ترى بقية دول العالم (روسيا، الصين، العالم الإسلامي، أمريكا اللاتينية) أن الغرب قد جن جنونه. إن اختطاف مادورو، وفقاً لمنظور الفصل الثامن، سيعمل كمسرع كيميائي لهذه العزلة؛ فبدلاً من أن يؤدي إلى “تأديب” دول الجنوب، سيؤدي إلى ترسيخ قناعة لدى هذه الدول بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً موثوقاً ولا ضامناً للأمن، بل هي مصدر الخطر الأكبر على السيادة الوطنية. هذا الفعل المتهور يؤكد نبوءة تود بأن “اللاوعي” الغربي الذي يحتقر ثقافات وسيادات الآخرين هو الذي يقود الغرب نحو هزيمته المحتومة، حيث ستدفع هذه “البلطجة الدولية” دول الجنوب إلى تسريع وتيرة فك الارتباط بالمنظومة الغربية والبحث عن تحالفات بديلة تحترم الحد الأدنى من القواعد السيادية.


كما يمكن الاسترسال في التحليل بالاستناد إلى رؤية تود حول “العنف التعويضي”، حيث يشير إلى أن أمريكا تعاني من عجز صناعي وتعليمي وتفكك مجتمعي، ولتعويض هذا الضعف الهيكلي، تفرط في استخدام قوتها العسكرية والاستخباراتية المتبقية. إن نازلة الاختطاف تشكل تعبيرا صارخا عن هذا العجز وليس عن القوة؛ فالقوة الحقيقية للدول العظمى تكمن في قدرتها على الجذب باعتبارها نموذجا مفترضا والاحتواء الدبلوماسي وفرض الهيمنة الناعمة، أما اللجوء إلى أساليب الاختطاف و”القرصنة” فهو اعتراف ضمني بفشل الأدوات السياسية والدبلوماسية التقليدية. إنه سلوك ما يسمى بالخاسر السيئ الذي يقلب الطاولة عندما يدرك أنه لم يعد قادراً على الفوز وفق القواعد المتعارف عليها. وهنا تكمن المفارقة التي يبرزها تود: كلما زاد استخدام أمريكا للعنف المباشر والأساليب غير القانونية (العدمية)، كلما تسارعت وتيرة تآكل هيبتها ومكانتها العالمية، مما يجعل “الهزيمة” حقيقة واقعة وليست مجرد احتمال.


ختاماً، يمكن القول إن الفصل الثامن من كتاب “هزيمة الغرب” يسعف إلى حد كبير في تقديم إطار مساعد في فهم أبعاد مختلفة لحادثة الاختطاف لا كحدث طارئ، بل كنتيجة حتمية لمسار طويل من التحلل القيمي والسياسي في واشنطن والتي تكرست بشكل اوضح على عهد ترمب والنخب المتنفذه المحيطة به. إن “العدمية الأوليغارشية” التي شخصها إيمانويل تود قد أنتجت نظاماً سياسياً أمريكياً لا يقيم وزناً للاستقرار العالمي وللمؤسسات الدولية او القانون الدولي، ويرى في الفوضى بيئة مناسبة للاستمرار. إن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة يشكل خطوة جديدة نحو تكريس وتسريع موت “النظام العالمي الليبرالي” على يد صانعيه، وانتقال العالم إلى مرحلة جديدة تتسم بالسيولة والخطورة، حيث تواجه بقية دول العالم تحدي التعامل مع قوة عظمى جريحة وعدمية، فقدت كوابحها الأخلاقية والدينية، وباتت تتصرف بمنطق بدون كوابح، لا يتورع عن فعل أي شيء لتأجيل لحظة الانكشاف والانكسار الحتمية.