لتفكيك شفرة هذا العنوان، أرى أنه لا بد من تحديد المعنى المقصود بكلمة "حربابوش"، ثم ربطها بعد ذلك بـ "دار عبوش" والسياق الذي تم فيه إنتاج هذه العبارة، التي كم سمعتها في طفولتي في فاس ومكناس وحتى في الدار البيضاء.
في الغالب، كنت أسمعها من النساء. فحين كانت إحداهن تريد التعبير عن استنكارها لحالة الفوضى والضجيج التي قد يتسبب فيها الأولاد والبنات، كانت تبادر إلى نهرهم بعبارة: "مدايرين ليا حربابوش في دار عبوش"، بمعنى: "ما هذه الفوضى، وما هذا الضجيج واللغط؟".
والحقيقة أن كلمة "حربابوش" كانت مرتبطة بعادة ألفت عليها النساء، حين كن يجتمعن بمناسبة أو بدون مناسبة، ويشرعن في الغناء والرقص وضبط الإيقاع بأي وسيلة تطالها أيديهن، مثل الملاعق، الكؤوس، الصواني، الصحون، أغطية الطناجر وغيرها. كل هذه الجلبة هي ما يسمى "حربابوش".
لكن ما علاقة كل هذا بـ "دار عبوش"؟ ومن هي عبوش؟
لفهم ذلك، علينا أن نعود إلى أحد شعراء الملحون، الحاج إبراهيم ولد الموشوم، الذي عاش في مدينة مراكش وكان من شعراء القرن التاسع عشر الميلادي. من بين القصائد التي تركها هذا الشاعر، قصيدة بعنوان "بنت عبوش"، وموضوعها السخرية وهجاء شيخة كانت تعيش في مدينة الصويرة، تُدعى محجوبة طير الشمس. كانت تعيش في نفس المنزل مع أمها عبوش وزوج أمها الحلواني علوش.
من بين ما قال ولد الموشوم في القصيدة:
"برّح يا علوش وافضح صفة الخشاشة
تستاهل بنت عبوش الفضيحة بالقرشاشة"
والحقيقة أن بنت عبوش كانت سيئة السمعة، عديمة الأخلاق، لا تتورع عن استقبال النساء والرجال في بيتها في جلسات خاصة، تتعالى فيها القهقهات والضجيج، وكل ما يمكن أن يزعج الجيران. ومن هنا جاء المثل "حربابوش في دار عبوش".
أما كلمة "حربابوش" فهي مأخوذة من "حَرْبَش"، وهو نوع من الأفاعي القصيرة السامة ذات قرنين قصيرين. وما أكثر "الأفاعي" اللواتي كنّ يترددن على بيت عبوش من أجل ممارسة الرذيلة.
هذه هي حقيقة ما كان يجري في "دار عبوش"، برضا زوج الأم، الذي ينطق لقبه بحقيقته "علوش". أليس "العلوش" في اللهجة التونسية هو ما يقابل "الحولي" في لهجتنا الدارجة؟
وحتى ننصف الحاج محمد بوزوبع، يمكن أن نقول إن ما غناه لم يتجاوز حدود التلميح لهذه القصة، دون السقوط في ما يمكن أن يخدش الحياء العام. لهذا، فإن كل الأبيات في الأغنية لم تخرج عن أسلوب الغزل، باستثناء عبارة واحدة انفلتت من رقابة الحياء، وهي:
"حربابوش في دار عبوش.. شوف فيها وعطي لفلوس".






