مجتمع وحوداث

فنجان الغريب

المصطفى سكم (شاعر)

كل ما يحيط به اكسسوارات تؤثث لفضاء مثخن بجراح الريح وقد رمت بارواح اتعبتها حتمية تاريخ جائر ونزعت منها كل شيء الا الحلم، فقد كان دائما خارجه، هو المتمرد عن قوانينه، فما كان للروح الا الحلم. يراه في قاع الفنجان، في بخار القهوة المتصاعد، في رشفة يتحسس عذوبتها تنحت في الحنجرة ذكريات مؤلمة يتجرعها لتسكن احشاءه، حتى ولو كان الفنجان مجرد استيهام والقهوة مجرد ذكرى رائحة يتشمم فيها رائحة والدته التي لم يعد يتذكر ملامحها في غربته، او عطر الانثى وقد سدت مسام جسدها ولبست حجاب الغير الدخيل الذي لا يستحق ملامسة حلمتها.

يتهاوى الزمن الذي افتقد الاحساس به، وتتراخى الامكنة امامه. وحده الحلم زمانه ومكانه، يملؤهما بانينه الصامت المدوي في اعماقه. لم يعد يهمه هذا العالم، كل ما فيه و"الفنجان" سيان، ووحده الحلم حريته الحقيقية.

كلما بردت القهوة على حافة الوقت ازداد احتشاد الوجوه في مرآة الفنجان. وجوه عبرت حياته كما تعبر اسراب الطيور سماء لا تحفظ اسماء العابرين. يحدق طويلا في سواد القاع فلا يرى عتمة البن، بل يرى الطرقات التي اضاعته واضاعها، يرى نافذة البيت القديم نصف مفتوحة على مساءات كانت الام تمشط فيها ضوء النهار قبل ان تعلقه على سبحة الدعاء.

يعلم الغريب ان الفناجين لا تقرأ الغيب، لكنها تمنح المنفيين ذريعة اخرى للشوق والانتظار. لذلك كان يترك لعينه ان تغرق في دوائرها الصغيرة لعله يعثر على ما تبقى من شجرة النسب التي اقتلعتها الرياح من ذاكرته. هناك، بين بخار يتلاشى وصمت يزداد كثافة، كان يسمع وقع خطوات بعيدة، كأن الطفولة لم تمت تماما، بل اختبأت في جهة ما من القلب تنتظر لمسة الحنين.

يدير الفنجان ببطء فيتدحرج العمر داخله، وتتكسر على جوانبه اصوات المدن التي مر بها. مدن فتحت له ابوابها ثم اوصدت نوافذها في وجهه، فادرك ان الامكنة لا تمنح الانتماء، وان الخرائط ليست سوى اوهام مرسومة على جلد الارض، اما الوطن الحقيقي فليس سوى ذلك الضوء الذي نحمله في اعماقنا ونواصل البحث عنه عند و في الآخرين.

وحين بنطفئ البخار ويبقي الفنجان وحيدا فوق الطاولة لا يشعر بالخسارة. فالحلم الذي كان يسكنه تحرر اخيرا من الفنجان واتسع حتى صار سماء كاملة. هناك يدرك الغريب أخيرا ان الارواح لا تقاس بما تدعي امتلاكه، بل بما تستطيع انقاذه من المعنى وسط هذا الخراب المترامي في أنحاء المعمور.

 ينظر الغريب الى اصابعه الملتفة حول الفنجان كما لو انها تتشبث بآخر نجمة في ليل يونس ميغري الطويل. كل الذين رحلوا عادوا في لحظة واحدة ثم تفرقوا في ضباب الذاكرة:

 الام تغزل الغياب بصبر القديسات.

 الاب يترك ظله معلقا على جدار الزمن،

 والطفل الذي كانه يركض في ازقة حي المجموعات وتيران الحب ودروب الخبازات وزبالة مريكان أو وهو يعدو صوب روض العصافير، لم تعد تعرف قدميه. وحده بقي هنا، عند تخوم المنافي، يعد المسافات بين محطة ميترو وأخرى ، بين نبضة واخرى، وبين حلم وآخر.

ومن خلف زجاج المقهى كانت المدن في ذاكرته تمضي مسرعة نحو مصائرها، بينما كان هو يزداد بطئا، كأنه يريد ان يمنح الاشياء فرصة اخيرة لتبوح له بسرها. لم يكن يطلب الكثير، مجرد نافذة تطل على معنى ما، او يد تمتد من الضفة الاخرى للوحشة، او اغنية قديمة تعيد ترتيب الفوضى التي تراكمت في روحه.

لكن الحلم كان اكرم من الواقع. كان يفتحه كل مساء ككتاب ذكريات لا تنتهي صفحاته، فيرى الوجوه التي احبها اكثر جمالا، ويرى الرفاق أكثر نقاء و البيوت اكثر دفئا، ويرى الطرقات اقل قسوة. هناك فقط كانت الاشياء تستعيد اسماءها الاولى قبل ان يلوثها التعب وقبل ان ينهشها الوقت.

فاشرب قهوتك ايها الغريب، لا لتقاوم تعب العمر، بل لتمنح الحلم فرصة اخرى كي يتكلم. واترك للفنجان ان يفرغ كما تشاء الايام، فبعض الامتلاء لا يولد الا من الفراغ، وبعض الاوطان لا تشيد هويتها الا بالغرباء.

فاذا ضاق العالم اتسع الحلم.

واذا انكسرت الهوية دلتك الروح على جهتها.

أما اذا فقدت كل شيء فلا تفقد كوة النار المتقدة في سويداء القلب، فهي آخر ما يعجز المنفى عن مصادرته.

احلم ايها الغريب واجعلني احلم معك، فما اجمل الحلم في بعده الانساني الكوني.

مودتي لكم ايها الغرباء بسعة حلمنا الرائع.