سياسة واقتصاد

دلالات حضور الفريق أول بريظ في الاجتماع الملكي حول مرحلة ما بعد المينورسو

ابراهيم بوليد


قراءة سياسية في بلاغ الديوان الملكي الصادر في 4 نونبر 2026



لم يكن بلاغ الديوان الملكي الصادر في 4 نونبر 2026 بلاغا بروتوكوليا عاديا. كان بلاغا تأسيسيا لمرحلة جديدة في قضية الصحراء المغربية، بعد عدم تجديد مجلس الأمن لولاية بعثة المينورسو في 30 أكتوبر الماضي.


وفي قلب هذا البلاغ، مر اسم واحد مرورا هادئا، لكنه حمل ثقلا سياسيا وعسكريا أكبر من كل فقرات البلاغ: الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.


حضوره لم يكن بروتوكوليا، بل كان أقوى رسالة في البلاغ كله. وقد حضر بصفته منفذا لتعليمات جلالة الملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، لا بصفته فاعلا مستقلا، بل بصفته ذراعا عسكريا للقرار الملكي.


لا فراغ أمني بعد المينورسو


منذ أن أعلن مجلس الأمن عدم تجديد ولاية المينورسو، طرح سؤال واحد: من سيملأ الفراغ الأمني في المنطقة العازلة شرق الجدار الأمني؟


البوليساريو كانت تراهن على أن هذا الفراغ فرصة لفرض أمر واقع جديد. وبعض الدول كانت تخشى أن يتحول إلى انفجار.


الجواب جاء بحضور بريظ.


فبريظ ليس جنرالا في القيادة المركزية بالرباط، بل هو القائد الميداني المباشر للمنطقة الجنوبية، من بوجدور شمالا إلى الكركرات جنوبا. حضوره يقول إن الخطة الأمنية لمرحلة ما بعد المينورسو جاهزة، وأن القوات المسلحة الملكية هي التي ستتولى المراقبة والحماية، بعد أن كانت تتقاسم هذه المهمة مع بعثة أممية.


رسالة الردع


البلاغ كله يتحدث بلغة السلام: التزام بوقف إطلاق النار، وفاء للعقيدة الدبلوماسية القائمة على الحفاظ على السلام، واحترام الالتزامات الدولية.


لكن حضور قائد المنطقة الجنوبية يضيف الجملة التي لم تكتب: نحن نريد السلام، لكننا مستعدون للحرب إذا فرضت علينا.


والرسالة موجهة مباشرة إلى البوليساريو. فبعد ذهاب المينورسو، لن تكون هناك بعثة أممية لتكون شاهدا أو وسيطا. أي خرق لوقف إطلاق النار سيكون مواجهة مباشرة مع الجيش المغربي، وسيكون الرد ردا سياديا مغربيا خالصا.


وحدة القيادة


الجلسة جمعت في قاعة واحدة أربع سلطات لا تجتمع عادة إلا في اللحظات المفصلية:


رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تمثل القرار السياسي.

وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، يمثل القرار الإداري والأمني الداخلي.

مستشار جلالة الملك، فؤاد عالي الهمة، يمثل القرار الاستراتيجي.

والفريق أول بريظ، يمثل القرار العسكري.


الرسالة هي أن مرحلة الانتقال هذه تدار بقيادة موحدة، وبتعليمات واحدة، وفي نفس اللحظة، من القصر الملكي بالرباط.


والجنرال بريظ لم يكن حاضرا ليقرر، بل ليتلقى التعليمات الملكية وليعرض جاهزية القوات المسلحة الملكية لتنفيذها.


طمأنة ساكنة الجنوب


أكثر من كان قلقا من ذهاب المينورسو هي ساكنة الأقاليم الجنوبية: العيون، الداخلة، بوجدور، السمارة، أوسرد، كلميم، وطانطان، وآسا الزاك، والمحبس.


فهي التي تعيش قرب الجدار، وهي التي ستدفع الثمن أولا إذا وقع أي توتر. وخصوصا ساكنة المحبس وآسا الزاك، التي تعيش مباشرة على خط المواجهة.


حضور قائد المنطقة الجنوبية هو طمأنة مباشرة لهذه الساكنة كلها: أمنكم لن يترك للفراغ، والدولة حاضرة بجيشها وإدارتها.


وهذه النقطة حاسمة، لأن المعركة الحقيقية في الصحراء ليست معركة عسكرية، بل معركة ثقة. إذا اطمأنت الساكنة، استمر المشروع التنموي، واستمرت الاستثمارات، واستمر الاستقرار. وإذا خافت الساكنة، فإن كل المشاريع الكبرى، من ميناء الداخلة الأطلسي إلى الطريق السريع تزنيت - الداخلة، ستتأثر.


السيادة الكاملة


طيلة 35 سنة، قبل المغرب بوجود وسيط عسكري أجنبي على أرضه، يراقب وقف إطلاق النار ويرفع تقارير إلى الأمم المتحدة. كان ذلك تنازلا سياديا مؤقتا قبلته الرباط من أجل السلام.


اليوم، بحضور بريظ، يعلن المغرب انتهاء هذا التنازل المؤقت. الأمن في الصحراء أصبح شأنا سياديا مغربيا خالصا، يتكفل به الجيش المغربي وحده.


وهو انتقال تم دون قطيعة مع الأمم المتحدة، ودون خرق للالتزامات الدولية، بل بروح من المسؤولية والتعاون، كما أكد البلاغ.


بل إن البلاغ قال إن المينورسو عجزت في مناسبات عديدة عن مراقبة مدى احترام وقف إطلاق النار وعن ترتيب الآثار على خرقه، وأن سياق نشأتها قد تم تجاوزه. وهذا تأكيد أن الضامن الحقيقي للسلام لم يكن هي، بل كان المغرب نفسه.


حضور الفريق أول بريظ يلخص البلاغ كله في صورة واحدة.


فهو يقول للعالم: نحن دعاة سلام، لكننا لسنا عزلا.

ويقول للبوليساريو: إذا أردتم السلام ستجدون دولة مسالمة، وإذا أردتم الحرب ستجدون جيشا جاهزا يقوده قائد المنطقة الجنوبية بنفسه، تنفيذا لتعليمات القائد الأعلى.

ويقول للمغاربة: لا تخافوا من ذهاب المينورسو، لأن الدولة التي تحميكم لم تذهب، بل هي حاضرة في هذه الجلسة.


لهذا، لم يكن حضور الجنرال بروتوكوليا. كان هو الضمانة العسكرية للقرار السياسي، والسطر الذي لم يكتب في البلاغ، لكن الجميع فهمه.


وهنا بالضبط تتجلى حكمة جلالة الملك: أن يحول لحظة كان يراها البعض خطرا، إلى لحظة لتكريس السيادة، وحماية الأمن، وطمأنة المواطنين، دون أن يخسر السلام، ودون أن يقطع مع الشرعية الدولية.