كما خلصنا إلى أن الهامش ممثلا في المنطقة التي يمثلها باريك لم يعد مجرد مجال ينتظر من يتحدث باسمه، بل أصبح قادرا على إنتاج خطاب وزعامة سياسية انطلاقا من التجربة الاجتماعية والمعيشية.
غير أن ما يستحق التوقف عنده اليوم ليس كيف وصول أسامة باريك إلى البرلمان، وإنما ما حدث بعد وصوله. لقد أصبح اسمه حاضرا في النقاشات البرلمانية، ولفت اهتمام مسؤولين حكوميين وقيادات حزبية من مواقع سياسية مختلفة. بحيث تحدثت رئيسة الحكومة ووزير المالية إليه بالاسم، كما برز اهتمام شخصيات سياسية بالتقرب منه ومواكبته، من بينها نبيل بنعبد الله ونبيلة منيب ونزار بركة وغيرهم من الفاعلين في الحقل السياسي في المغرب..
ومن بين اللحظات التي تستحق التوقف عندها تصريح نبيل بنعبد الله له، حسب ما ورد في المقطع المتداول، بعبارة: «إذا أردت شيئا، ففريقنا رهن الإشارة». وهي عبارة، بصرف النظر عن سياقها الكامل، تكشف عن مستوى الاهتمام الذي أصبح يحظى به هذا النائب الجديد من طرف قيادات سياسية راكمت تجربة طويلة داخل المؤسسات الحزبية والبرلمانية.
كما عرضت نبيلة منيب مواكبته وتقاسم خبرتها معه في العمل البرلماني، وهو ما يعكس انتقال النقاش من مجرد الاحتفاء بوصوله إلى الاهتمام بكيفية تأطيره ومواكبته داخل الممارسة المؤسساتية.
ولم يقتصر هذا الاهتمام على المجال السياسي الداخلي؛ فقد خصصت الجزيرة نت حوارا معه حول تجربته الانتخابية، كما حظيت تجربته بتغطيات إعلامية دولية أخرى. وهكذا أصبح اسمه يتجاوز المجال المحلي الذي انطلق منه، ليحضر في نقاش إعلامي أوسع حول الوجوه الجديدة في البرلمان المغربي.
إن هذه التطورات تفتح أمامنا زاوية جديدة للتحليل حول كيف تحول شاب قادم من الهامش، لم يصنع مساره داخل التنظيمات الحزبية التقليدية، إلى شخصية تستقطب اهتمام جزء من النخبة السياسية والإعلامية؟
وتبرز المفارقة في أن أسامة باريك لم يصل إلى البرلمان عبر المسارات المعتادة لإنتاج النخب السياسية. فلم يكن معروفا بتدرجه داخل حزب سياسي، أو بتقلده مسؤوليات تنظيمية، أو بامتلاكه شبكة علاقات سياسية واسعة. لقد بنى حضوره أساسا من خلال التواصل الرقمي، وتوثيق معاناة سكان منطقته، والتعبير عن مطالب حاضرة في الحياة اليومية للمناطق الجبلية والمهمشة.
لكن بمجرد حصوله على الشرعية الانتخابية ودخوله المؤسسة التشريعية، أصبح محط اهتمام لشخصيات سياسية تنتمي إلى اتجاهات مختلفة، بعضها في الأغلبية وبعضها في المعارضة. ويعتبر في رأينا أن هذا السلوك يمثل تحولا مهما يتطلب الوقوف عنده. بحيث بدل أن يكون الوافد الجديد هو من يبحث عن الاعتراف من طرف النخب المتمرسة في العمل والفعل السياسي ، أصبحت هذه الأخيرة تبدي اهتماما به وبالرصيد الذي يحمله.
إن هذا التحول في رأينا لا ينبغي قراءته من زاوية العلاقات الشخصية اوالتعاطف معه، بل اعتباره مؤشرا على تغير بعض مصادر القوة السياسية. لأن أسامة باريك لم يدخل البرلمان فارغ اليدين سياسيا، بل دخل محملا برأسمال رمزي واجتماعي ورقمي تراكم خارج المؤسسات الحزبية، وأصبح من الصعب تجاهله داخل المؤسسة التشريعية.
ولتدعيم هذا الطرح يمكن الاستئناس أو الإعتماد على تحليل بيير بورديو لمفهوم الرأسمال السياسي والرمزي. فحسب طرح "بورديو" أن السلطة السياسية لا تستند دائما إلى الموارد التنظيمية أو الاقتصادية، بل يمكن أن تتأسس أيضا على الاعتراف الاجتماعي والقدرة على اكتساب الثقة وإنتاج التأثير. وفي حالة أسامة باريك، يبدو أن الحضور الرقمي ساهم في تحويل معاناة محلية إلى قضية ذات صدى وطني. فالمقاطع التي توثق مشاكل الطرق والعزلة والخدمات العمومية والتعليقات على بعض القضايا الوطنية لم تكن مجرد محتوى للتداول ، بل كانت وسيلة مكنته بناء علاقة مباشرة مع جمهور واسع، وتحويل المتابعة الرقمية إلى تعبئة انتخابية. وبذلك، لم يعد عدد المتابعين مجرد رقم في منصات التواصل، بل أصبح جزءا من رصيد رمزي تحول إلى قوة تفاوضية داخل المجال السياسي.
وهنا تبرز نقطة مهمة تتجلى في أن اهتمام القيادات السياسية بشخص باريك لا يمكن فصله عن إدراكها أن هناك رأسمالا جديدا أصبح حاضرا في الحياة السياسية، وأن امتلاك هذا الرأسمال لم يعد حكرا على الأحزاب أو الشخصيات التي راكمت نفوذها عبر سنوات طويلة من العمل التنظيمي.
ويمكن في اعتقادنا قراءة هذا الاهتمام لشخصيات سياسية مختلفة بأسامة باريك من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة تتمثل في :
أ) الاعتراف بشرعية اجتماعية جديدة اكتسبها من خلال علاقته المباشرة بالمواطنين.
ب) رصيده الانتخابي المستقل عن الانتماء الحزبي؛ والرغبة في مواكبته وتأطيره برلمانيا عبر نقل الخبرة، مع ما يطرحه ذلك من سؤال حول حدود التعلم المتبادل واحتمال استيعابه داخل المنطق الحزبي التقليدي.
ج) التنافس على مصادر التأثير الجديدة، خاصة الرأسمال الرقمي الذي أصبح مجالا لإنتاج الرأي العام واستقطاب فئات لا تصل إليها الأحزاب بسهولة.
الا أن ذلك لا يعني أننا نفترض أن هناك دوافع مصلحية لدى كل المبادرين. لكن تعدد هذه المبادرات يطرح سؤالا مشروعا حول كيفية تعامل النخب السياسية مع مصادر الشرعية والتأثير الجديدة.
كل هذا يدفعنا إلى التساؤل: هل ما نحن أمام أزمة في إنتاج النخب السياسية في المغرب؟
فتاريخيا تمثلت إحدى الوظائف الجوهرية للأحزاب السياسية في تأطير المواطنين، وتكوين القيادات، وإنتاج البرامج والبدائل، وإعداد النخب القادرة على تحمل المسؤولية العمومية. غير أن تجربة أسامة باريك تفتح باب التساؤل حول مدى استمرار الأحزاب في الاضطلاع بهذه الوظيفة، وكيف بدأت تفقد جزءا من قدرتها على إنتاج شخصيات تحظى بالثقة والقبول الاجتماعي.
وإذا تأملنا المشهد السياسي في المغرب لا تبدو هذه الظاهرة معزولة عن بعض التحولات التي يعرفها. فاستقطاب فوزي لقجع من طرف حزب الأصالة والمعاصرة وما أثاره من تعليقات، والاستعانة بشخصيات ذات مسارات مهنية وتقنية في تشكيل النخب الحكومية، كما هو في حالة يونس بجيجو وتحمله مسؤولية القطاع الصحي تحث مظلة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تعكسان توجه الأحزاب نحو استقطاب شخصيات راكمت رصيدها خارج المسارات التنظيمية التقليدية للاحزاب. وإذا أضفنا إلى ذلك تجربة باريك، الذي بنى حضوره السياسي انطلاقا من علاقة مباشرة بالمجتمع والفضاء الرقمي، فإننا أمام حالات، رغم اختلاف سياقاتها، تجعل تساؤلنا حول مصادر وكيفية صناعة/إنتاج النخب والشرعية السياسية امرا مقبولا.
قد لا تسمح هذه الحالات وحدها بالحسم في هذه الأسئلة، لكنها تتيح رصد احتمال بداية تحول أوسع في العلاقة بين المجتمع والأحزاب والمؤسسات حول انتاج النخب السياسية اليوم، وحول من يمتلك القدرة على منحها الشرعية الاجتماعية. وكيف بدأت الاحزاب تتحول من مؤسسات لإنتاج النخب إلى مجرد قنوات لاستيعاب نخب ينتجها المجتمع خارجها.
وتجدر الإشارة هنا ، أنه لا ينبغي أن نعتبر اهتمام القيادات السياسية والإعلامية بأسامة باريك بانه يمثل في حد ذاته دليلا على نجاح تجربته البرلمانية. فالاهتمام به شيء، وقدرته على التأثير في القرار العمومي شيء آخر. لأن التحدي الحقيقي أمامه يتمثل في المحافظة على العلاقة التي بناها مع المواطنين، وفي الوقت نفسه اكتساب الأدوات اللازمة للعمل داخل المؤسسة التشريعية. اذ هناك فرق بين عملية نقل مشكلة اجتماعية إلى الرأي العام، و عملية تحولها إلى مطلب سياسي واضح، ثم إلى مقترح تشريعي أو تعديل في الميزانية أو مساءلة حكومية، وصولا إلى متابعة التنفيذ وتقييم النتائج.
ومن هنا فإن نجاح تجربة باريك لا ينبغي أن تقاس بمدى اهتمام القيادات السياسية به، ولا بعدد المرات التي يذكر فيها اسمه داخل البرلمان، وإنما بمدى قدرته على تحويل هذا الحضور إلى أثر مؤسساتي ملموس.
لعل أهم ما تكشفه تجربة أسامة باريك هو أن مصادر إنتاج المكانة السياسية في المغرب بدأت تعرف تحولات تستحق المتابعة. فلم تعد المسارات الحزبية والتنظيمية التقليدية هي الطريق الوحيد للوصول إلى المجال السياسي، كما لم تعد النخبة الحزبية تحتكر وحدها صناعة الشخصيات التي تحظى بالاهتمام والتأثير.
لقد استطاع شاب قادم من إملشيل أن يبني حضوره انطلاقا من قضايا مجتمعه المحلي، وأن يحول هذا الحضور إلى شرعية انتخابية، ثم يجد نفسه داخل البرلمان مركز اهتمام شخصيات سياسية وحكومية وإعلامية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم يتجاوز تجربة باريك ذاتها والتفكير في إمكانية تجاوز هذه التجربة حالة الاستثناء المحلي و امتدادها الئ مناطق أخرى، خصوصا تلك التي تعاني ضعف التمثيل السياسي، وغياب الوساطة الفعلية، وتراجع الثقة في الأحزاب في ظل سياق يتزايد فيه الإحساس بتقاعس عدد منها عن القيام بوظائفها التأطيرية، وبفقدان بعضها القدرة على إنتاج نخب سياسية جديدة تحظى بثقة المجتمع.
ربما حان الوقت لفتح نقاش جدي حول إمكانية توسيع تجربة من هذا النوع، لتشمل مختلف جهات المغرب ومناطقه.
إن المقصود هنا ليس استنساخ شخص أسامة باريك، بل استنساخ منطق التجربة، وأن تنطلق المبادرة من المجتمع، وأن تتشكل حولها مجموعات من الشباب والكفاءات والفاعلين المحليين، و تبني حضورها على القضايا الملموسة، والتواصل المباشر، والمساءلة المستمرة. بحيث يمكن أن يتيح ذلك نشوء سياق جديد للتمثيل السياسي، يتجاوز شرط الانتماء الحزبي كقاعدة وحيدة لإنتاج الفاعلين السياسيين ، ليفتح المجال أمام صيغ مدنية ومجتمعية مستقلة، قادرة على تنظيم المطالب المحلية، وإنتاج ممثلين يستمدون شرعيتهم من الثقة والعمل الميداني، عوض شبكات النفوذ أو التزكيات الحزبية وحدها.
إن هذا لا يعني الدعوة إلى إلغاء دور الأحزاب أو إنكار دورها الدستوري والسياسي، بل مساءلة احتكارها العملي لمسارات إنتاج النخب، وإعادة التفكير في العلاقة بينها وبين المجتمع. لان الرهان اليوم هو أن يتحول التمثيل السياسي من مجرد تنافس على المقاعد والمواقع إلى عملية مستمرة لإنتاج الكفاءات، وتنظيم المطالب، ومراقبة القرار العمومي ومحاسبة من يتحمل المسؤولية






