سياسة واقتصاد

نزار بركة و"مسرحية" التصفيق.. حين قالت القاعة ما لم يقله الاستقلال...

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )
في السياسة، أحيانا لا تحتاج إلى بيان حزبي كي تعرف اتجاه المزاج السياسي. يكفي أن تراقب القاعة عندما تسمع خبراً معيناً: هل تصمت؟ هل تتململ؟ أم تصفق؟

في المجلس الوطني لحزب الاستقلال، وصل الخبر إلى نزار بركة، فوضعه أمام أعضاء المجلس: المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة قرر عدم قبول التحالف مع التجمع الوطني للأحرار.

لم يحتج أعضاء المجلس إلى شرح طويل.

جاء التصفيق.

وهنا تحديداً تستحق الواقعة أن تُقرأ سياسياً، لا باعتبارها مجرد خطأ في نقل معلومة، وإنما باعتبارها لحظة كشفت شيئاً من المزاج الداخلي للاستقلال.


ثم تراجع نزار بركة.


قال إن الخبر غير دقيق، وإن المعطى الذي قدمه لم يكن مؤكداً، وإنه تحمّل مسؤولية نقله بناء على ما وصله من داخل الحزب.


انتهت المشكلة، إذن؟


لا.


انتهت المعلومة، لكن بقيت الرسالة.


لأن نزار يستطيع أن يقول إن الخبر غير دقيق، لكنه لا يستطيع أن يقول إن المجلس لم يصفق.


والتصفيق، في هذه الحالة، هو الجزء الأكثر إثارة في الحكاية.


الخبر الذي أسعد القاعة


لو كان الاستقلال متشبثاً ببقاء الأحرار داخل الحكومة المقبلة، لكان خبر استبعادهم من «البام» خبراً ثقيلاً على القاعة، أو على الأقل خبراً يستدعي الحذر والتثبت.


لكن الذي حدث هو العكس.


ما إن وصل الخبر حتى جاء التصفيق.


وهذا لا يعني أن المجلس الوطني اتخذ قراراً برفض التحالف مع الأحرار؛ فذلك يحتاج إلى قرار مؤسساتي واضح، ولا يمكن اختزاله في تصفيق.


لكن التصفيق يكشف المزاج.


والمزاج السياسي مهم جداً في لحظة مفصلية مثل لحظة تشكيل الحكومة.


فالمغزى ليس أن الاستقلال قال رسمياً: «لا نريد الأحرار».


المغزى أن احتمال خروج الأحرار من المعادلة لم يكن خبراً سيئاً بالنسبة إلى القاعة.


وهذه وحدها رسالة.


نزار يتراجع… ولكن بعد فوات الأوان


هنا تصبح الحكاية أكثر طرافة.


نزار بركة لم يترك الجملة معلقة في الهواء. عاد وصححها.


وهذا من الناحية السياسية مفهوم؛ فلا يمكن لأمين عام حزب أن يقدم أمام مجلسه الوطني قراراً لم يصدر رسمياً عن حزب آخر.


لكن التراجع جاء بعد أن أدت الجملة وظيفتها.


لقد قال نزار إن «الأحرار» قد يكونون خارج الحكومة.


فسمع القاعة.


والقاعة ردت.


ثم عاد وقال: الخبر غير دقيق.


حسناً.


لكن ماذا عن رد فعل القاعة؟


ذلك لم يكن خبراً نقله أحد إلى نزار.


كان أمام عينيه.


وهنا تصبح المسألة أكثر ذكاءً من مجرد «زلة لسان».


لأن السياسي عندما يضع خبراً أمام قاعة سياسية، ثم يرى كيف تستقبله، يكون قد حصل على معلومة لا توجد في أي محضر اجتماع:


لقد عرف موقف القاعة من السيناريو.


إذا كان خروج الأحرار سيقابل بالتصفيق، فهذا يعني أن هناك مزاجاً داخل الاستقلال لا يرى في هذا الخروج مشكلة.


وهذه معلومة تفاوضية ثمينة.


الرسالة التي وصلت إلى البام


هنا أصل الحكاية.


الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى أعضاء المجلس الوطني للاستقلال.


كانت موجهة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الأصالة والمعاصرة.


فالرسالة ليست: الاستقلال قرر رفض الأحرار.


هذه ليست واقعة ثابتة.


بل الرسالة: إذا كان البام يريد استبعاد الأحرار، فسيجد في الاستقلال آذاناً صاغية، بل وربما تصفيقاً...



وهذه لغة سياسية مختلفة.


لغة لا تُغلق الباب، لكنها تضع ورقة على الطاولة.


والأهم أنها تترك لنزار بركة مساحة واسعة للمناورة.


إذا استمر المسار في اتجاه حكومة بلا أحرار، فسيكون قد أرسل إشارة مبكرة إلى أن الاستقلال لا يعارض.


وإذا تغيرت الحسابات، يستطيع ببساطة أن يقول:


«أنا قلت إن الخبر غير دقيق.»


وهكذا لا يكون قد التزم رسمياً بشيء.


قال ما يمكن التراجع عنه، وترك وراءه ما لا يمكن محوه: رد الفعل.


لماذا يريد الاستقلال أن يعرف موقف البام من الأحرار؟


لأن المسألة ليست تقنية.


إخراج حزب من الحكومة يعيد ترتيب موازين القوة داخلها.


إذا بقي الأحرار، بقيت تركيبة سياسية معينة.


إذا خرجوا، ستظهر حاجة إلى إعادة تركيب الأغلبية، وستتغير حسابات الأحزاب المشاركة، ومواقعها، وأحجامها، وقدرتها على التفاوض.


ومن هنا يصبح موقف «البام» من الأحرار مهماً جداً بالنسبة إلى الاستقلال.


ليس لأن الاستقلال معنيّ بمصير الأحرار لذاته، وإنما لأن كل تغيير في تركيبة الحكومة يغير موقع الاستقلال داخلها.


وهذا هو بيت القصيد.


الموضوع ليس حباً ولا كرهاً.


إنه تفاوض.


التصفيق هنا ليس موقفاً من الأحرار فقط


وهنا يجب ألا نخطئ قراءة المشهد.


قد يبدو الأمر وكأن الاستقلاليين يقولون: «نحن ضد الأحرار».


لكن القراءة السياسية الأعمق هي:


الاستقلال يريد أن يعرف أي حكومة ستتشكل، ومن سيكون فيها، وأين سيكون هو داخلها.


فإذا خرج الأحرار، تتغير الخريطة.


وإذا بقيوا، تبقى خريطة أخرى.


ومن الطبيعي أن يراقب الاستقلال هذه الخريطة بعناية.


لذلك، فإن التصفيق يمكن أن يكون أيضاً تعبيراً عن ارتياح سياسي لاحتمال إعادة ترتيب موازين القوة.


وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً.


نزار لم يكن فقط ينقل خبراً عن «البام».


كان، من حيث يدري أو لا يدري، يفتح نافذة على سؤال أكبر:


ماذا لو لم يكن الأحرار في الحكومة المقبلة؟


والقاعة أجابت بالتصفيق.


التراجع لم يلغِ الرسالة


هذه هي النقطة التي تستحق التشديد.


لا ينبغي تحويل الواقعة إلى اتهام لنزار بركة بأنه اخترع خبراً.


لا دليل على ذلك.


وقد يكون فعلاً نقل معلومة غير دقيقة وصلته من داخل الحزب.


لكن التراجع لا يلغي الأثر السياسي.


في السياسة، هناك فرق بين تصحيح المعلومة ومحو أثرها.


المعلومة صُححت.


أما أثرها فبقي.


والأثر هنا هو أن مجلساً وطنياً لحزب كبير تلقى خبر استبعاد الأحرار من الحكومة بالتصفيق.


وهذا ما ينبغي أن يقرأه «البام».


بل ينبغي أن يقرأه الأحرار أيضاً.


فإذا كان حزب ما يسمع بخروجك من الحكومة فيصفق، ثم يتبين أن الخبر غير صحيح، فالمشكلة ليست في صحة الخبر وحدها.


المشكلة في أنك عرفت، ولو للحظات، كيف يُستقبل غيابك المحتمل.


مسرحية محبوكة أم مصادفة سياسية؟


ربما كان من المبالغة القول إن كل شيء كان مخططاً له مسبقاً.


السياسة المغربية لا تحتاج دائماً إلى غرفة عمليات حتى تنتج مشهداً محبوكاً.


أحياناً يكفي أن تتقاطع معلومة ناقصة مع توقيت حساس، وشخص يعرف كيف يتراجع، وقاعة تعرف كيف تصفق.


فتخرج النتيجة كأنها مكتوبة سلفاً.


لكن، من زاوية سياسية، المشهد يشبه المناورة تماماً:


إشارة إلى احتمال خروج الأحرار، قياس رد الفعل، ثم التراجع إلى المنطقة الآمنة.


وهذا ما يجعل الواقعة أكثر أهمية من مجرد «خبر غير دقيق».


لأن الخبر انتهى.


أما الإشارة فبقيت.


الاستقلال لم يقلها… لكنه قالها بطريقته


لو أراد الاستقلال أن يقول رسمياً إنه لا يريد المشاركة في حكومة تضم الأحرار، لكان عليه أن يقولها بوضوح.


لكنه لم يفعل.


وهو ربما لا يريد أن يفعل الآن.


لأن التفاوض يحتاج إلى مساحة.


والأحزاب التي تتفاوض لا تكشف كل أوراقها دفعة واحدة.


لكن المجلس الوطني، بتصفيقه، قال شيئاً آخر:


إذا كان الطريق إلى الحكومة المقبلة يمر من دون الأحرار، فليس في القاعة من يبدو مستعداً للبكاء على غيابهم.


وهذه ليست وثيقة حزبية.


لكنها رسالة سياسية.


والرسائل السياسية لا تحتاج دائماً إلى ختم.


أحياناً يكفيها تصفيق.


ويبقى نزار بركة بعد ذلك أمام مهمتين: أن يصحح الخبر، وأن يشرح لمن وصلت الرسالة أن التصفيق لم يكن قرارا.


لكن المشكلة أن السياسة لا تشتغل بهذه البساطة.


فحين تصفق القاعة لخبر ثم يقال لها بعد دقائق إن الخبر غير صحيح، لا يعود السؤال:


هل الخبر صحيح؟


بل يصبح:


لماذا كنا سعداء عندما ظنناه صحيحاً؟


وهنا بالضبط تكمن قوة المشهد.


نزار تراجع عن الخبر.

أما الاستقلال فلم يتراجع عن التصفيق.


ورسالة التصفيق، في لحظة تشكيل الحكومة، قد تكون أبلغ من بيان طويل.