سياسة واقتصاد

المكان الطبيعي لحزب الاستقلال في هذه المرحلة هو المعارضة

محمد بنساسي

بصفتي عضوًا بالمجلس الوطني لحزب الاستقلال، الذي تشرفت بحضور أشغال دورته الاستثنائية المنعقدة السبت 3 أكتوبر 2026 بقصر المؤتمرات الولجة بسلا، برئاسة الأخ عبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني للحزب، عبّرت عن قناعاتي وموقفي الشخصي بشكل واضح.

 

حيث اعتبرت أن حزب الاستقلال، الذي أتشرف بالانتماء إليه، مكانه الطبيعي، في هذه المرحلة المفصلية من مساره ومن تاريخ هذا الوطن، هو الاصطفاف في المعارضة، وذلك لاعتبارات متعددة، ذكرت منها، لضيق الوقت، اثنين:

 

الاعتبار الأول، أن الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية الحالية تلاحقه شبهة تزوير الانتخابات، وهي فضيحة خطيرة ومدانة، لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن نغض الطرف عنها أو نطبع معها، وأن دخول حزب الاستقلال إلى الحكومة معه يعني، من حيث المبدأ، شرعنة هذا الواقع السياسي الخطير.

 

الاعتبار الثاني، يتجلى في الاختلاف والتباين الكبير والواضح في الأيديولوجية والمرجعية، إذا افترضنا جدلًا أن الحزب المتصدر للانتخابات يمتلك أيديولوجية ومرجعية من الأصل.

 

ذلك أن الحكومة المقبلة ستكون أمام ملفات وقضايا حساسة وحارقة، لا مجال فيها للتنازلات، وفي مقدمتها القانون الجنائي، ولا سيما الشق المتعلق بالحريات الفردية والإثراء غير المشروع…، وهي قضايا لم نفتح بشأنها النقاش داخل الحزب، فضلًا عن مدونة الأسرة وما تثيره من قضايا خلافية، ولا سيما أن الحزب المعني سبق أن عبّر غير ما مرة عن مواقف بخصوص هذه القضايا تتعارض بشكل كلي مع مبادئ حزب الاستقلال وثوابته الراسخة، وفي طليعتها الدين الإسلامي.

 

وأمام هذا الواقع، فإن تواجد حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة سيضعه أمام خيارين: إما الدخول في صدام مع الحزب الذي يقود الحكومة وفرض قناعاته ومواقفه إزاء هذه القضايا، وهو ما سيؤثر، لا محالة، على الانسجام الحكومي، وإما تقديم تنازلات بشأنها، كما وقع في القانون المنظم لمهنة المحاماة وغيرها من القضايا، بما قد تكون له كلفة سياسية وشعبية على مكانة الحزب وصورته داخل المجتمع.

 

أما الشق الثاني من مداخلتي، فيتعلق بمسألة تفويض تدبير عملية الدخول إلى الحكومة المقبلة واختيار الوزراء إلى الأخ الأمين العام، الدكتور نزار بركة.

 

ومع بالغ الاحترام والتقدير لمؤسسة الأمين العام، بما لها من مكانة ورمزية داخل الحزب، وما خوّلها لها القانون الأساسي والنظام الداخلي للحزب من اختصاصات وصلاحيات، وما أكنّه من إكبار واعتزاز لشخص الأمين العام، الأخ نزار بركة، غير أنني لم أفوّض له عملية تدبير المشاورات المتعلقة بدخول الحزب إلى الحكومة، ولا اختيار الوزراء بعيدًا عن مؤسسات الحزب وآلياته التنظيمية.

 

كما أكدت أن القطاعات الحكومية التي سيتحمل حزب الاستقلال مسؤولية تدبير شؤونها في إطار الائتلاف الحكومي، ينبغي ألا تُسند إلى بروفيلات لا علاقة لها بالحزب، كما وقع في النسخة الأولى للحكومة المنتهية ولايتها، وإنما ينبغي أن تُعهد إلى كفاءات استقلالية أصيلة، لها صلة حقيقية بالحزب، وتؤمن بمبادئه وقيمه ومرجعياته وتتمسك بها في جميع الظروف.

 

واعتبرت أن عملية اختيار الوزراء، بعد انتهاء المشاورات وتحديد القطاعات الحكومية الممنوحة للحزب، ينبغي أن تتم في إطار ديمقراطي وشفاف، من خلال فتح آجال للترشيح لها، وتمكين الراغبين في تحمل المسؤولية الحكومية من وضع ملفاتهم، على أن تخضع هذه الملفات للدراسة والتداول داخل مؤسسات الحزب، ولا سيما لجنة الترشيحات ولجنة الأخلاقيات، وفق معايير واضحة ومحددة وموضوعية.

 

وإذ أعتز بأخواتي وإخواني أعضاء المجلس الوطني ممن لهم موقف ورأي آخر، أحترمه وأقدّره، فإنني أتمسك بأن تظل هذه المحطة المفصلية في تاريخ حزبنا محكومة بالنقاش السياسي والحزبي والتنظيمي، وباحترام المؤسسات، وتعدد الآراء والقناعات داخل الحزب.

 

ففي النهاية، الرأي حر، والقرار ملزم.