أين تقف "المصلحة الأمريكية" في توازن علاقاتها بين المغرب والجزائر؟
إنه واحدة من الأسئلة التي تستثيرها إحدى الخرجات الإعلامية الأخيرة لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكلف بإفريقيا والعالم العربي مسعد بولس (اللبناني الأصل وصهر الرئيس الأمريكي حيث تزوج ابنه مايكل ابنة ترامب تيفاني)، عبر قناة تلفزية فرنسية تابعة عمليا للخط السياسي لوزارة الخارجية الفرنسية (فرانس 24)، في ما يتعلق بالمآلات والتطورات الدقيقة (الحاسمة أمميا) لملف صحراءنا الغربية المغربية، حيث سرب جملة قد تفيد بأن زمن الحل ربما يطول أكثر من المتوقع والمأمول..
لقد أثارت تلك الخرجة الإعلامية التباسات وأسئلة وردود فعل مختلفة بين المغرب والجزائر، رأى فيها البعض "تراجعا تاكتيكيا" لواشنطن، في مقابل ذلك هلل البعض الآخر على أنها "اختراق ناجح للطرح العدائي المضاد للمغرب ومصالحه القومية العليا"..
الواقع إن الأمر فرصة تحليلية صحفيا لتنسيب الحقائق حول العلاقات الأمريكية المغاربية (ضمنها المغربية) في أفقها الطبيعي الذي يحكمه في الأول وفي الأخير "منطق المصالح".
عمليا ليس هناك تراجع استراتيجي في العلاقات المغربية الأمريكية التي في القلب منها موقف واشنطن الرسمي من اعتبار الصحراء الغربية جزء من السيادة الوطنية المغربية وأن أفق حل الصراع المفتعل حولها جزائريا (عبر أداة وظيفية هي جبهة البوليزاريو) يتمثل في التنزيل العملي لمخطط "الحكم الذاتي الموسع" المقدم من قبل المغرب منذ 2007.
المشكل إذن هو في سرعة "الزمن التفعيلي" لذلك أمريكيا وبالإستتباع أمميا.. الذي نخاف دوما أن سرعته ليست في مستوى شغف طموح وعدالة مصلحة "زمننا الوطني المغربي"..
علينا ألا ننسى التذكير دوما أن الواقع المؤطر لكل التطورات بمجالنا الغرب إفريقي والغرب متوسطي محكوم بكلفة غياب إطار مؤسساتي لتكتل شمال إفريقي ومغاربي يقوي من موقعنا كدول مغاربية في "التفاوض مع العالم".
علينا أيضا أن نسجل للتاريخ أن من يتحمل مسؤولية ذلك هو "النظام الجزائري" ليس كتهمة جاهزة ضده أو موقف مسبق منه، بل بواقع منطق التصعيد الذي يعتمده كخيار استراتيجي يشيطن كل ما هو "مغربي". بينما يسجل عمليا في المقابل أن المغرب يجنح للنقيض من ذلك بدليل إصراره منذ سنوات على خيار "اليد الممدودة" وأنه مؤسساتيا لا يرد قط بأي تصعيد لا إعلامي (في تلفزاته ووكالة أنبائه الرسمية) ولا ديبلوماسي سيادي ضد المصالح الوطنية للشعب الجزائري.. مما يجعل القارئ للوقائع هذه يحق له التساؤل هل الحكومة الجزائرية مكلفة بمهمة عدم إنجاز وتحقيق إطار مؤسساتي لتكتل شمال إفريقي مغاربي؟. إن كان ذلك صحيحا فلمصلحة من؟. مؤكد أنه ليس لمصلحة الشعب الجزائري ولا لمصلحة باقي شعوبنا المغاربية.
إن غياب ذلك الإطار المؤسساتي لتكتلٍ شمال إفريقي بين دولنا المغاربية هو الذي يؤطر عمليا شكل تعامل القوى الدولية (ضمنها واشنطن) مع منطقتنا وفضاءنا الجهوي حسب الأوراق المؤثرة المتوفرة عند كل عاصمة من عواصم بلداننا..
سيكون بالتالي من باب تفسير الماء بالماء أن نؤكد هنا أن المغرب لا يمكن أن يبقى مكتوف الأيدي ينتظر انتصار "تعقل مغاربي" في جواره الجغرافي. وأن له بالإستتباع كامل الحق في المبادرة بما في اليد من حلول، لأن مؤسسات الدولة مؤتمنة على حماية حقوقه أهله القومية العليا مما يلزمه باجتراح البدائل حسب ما يوفره منطق "تدافع القوى الكبرى" عالميا. وهذا امتحان صعب جدا حين تكون أصلا مطوقا بجوار غير رحيم ضمن منطق التنافس بين شمال المتوسط وجنوبه (طبيعة علاقاتنا الشديدة التعقيد مع مدريد وباريس كقوى استعمارية سابقة احتلت مجالنا المغربي وقزمته). بل إن من صعوبة ذلك الإمتحان أيضا أن تمد يدك أحيانا للقبح بتقزز ضمن فاتورة ضاغطة لحماية مصالحك القومية العليا.
لنعد تحليليا إلى خرجة السيد بولس الإعلامية..
لا يمكن أن يغرب عن قراءتنا أن مسارات تطوير العلاقات بين الدول تحكمها طبيعة "المواقف المتخذة" و "رزنامة الإلتزامات الفعلية للعهود". بالتالي فإنه بالنسبة لمن يقرأ فقط صورة التطورات من خارج إطار "سر الإطلاع على المعلومة" مثل حالنا، فإن محطة 31 أكتوبر 2026 أمميا بمجلس الأمن هي التي ستقدم الجواب الفصل على مدى طبيعة تلك "المواقف" وحجم ترسيخ تلك "الإلتزامات".
إن الغاية تبريريا من هذه القراءة التحليلية (بالقدر المتوفر من أدوات تفكيك) هي أساسا محاولة قراءة التطورات من الجهة التي تقف فيها "المصلحة الأمريكية" تجاهنا كمغاربيين.. لأنها ستحررنا من نقع الغبار الكثيف الذي تثيره بغاية تشويشية ضيقة الأفق للأسف آليات تواصلية مندرجة ضمن "حرب المعلومات" التي تقف وراءها ترسانة كاملة من الأجهزة الجزائرية بميزانيات مالية ضخمة.. تلك الحرب التي غايتها محاولة التشكيك في رسوخ "رزنامة الإلتزامات الفعلية للعهود" الأمريكية تجاهنا كمغاربة..
إن "التوازن المصلحي" في علاقات واشنطن مع الرباط والجزائر العاصمة، ليس وليد اليوم، بل إن له ذاكرة وشجرة أنساب.
منعطف عقد السبعينات وإغراء البترول والغاز الجزائري
شكلت المرحلة ما بين 1970 و1980 واحدة من أضعف مستويات التعاون الأمريكي المغربي في كافة المجالات سواء الاقتصادية أو العسكرية والأمنية. ممكن أن يجد المرء تفسيرا لذلك في السياق الدولي حينها، الذي شهد تطورات غير مسبوقة على مستوى ملفات موروثة من عقدي الخمسينات والستينات، يمكن حصر أهمها أمريكيا كالآتي:
- أولا، سعي الإدارة الجمهورية للرئيس ريتشارد نيكسون (الرئيس 37 بأمريكا) إلى تغيير سياسات واشنطن الخارجية على المستويين الأمني العسكري والإقتصادي. حيث عمل سنة 1971 على تغيير صيغة التعامل دوليا بالدولار الأمريكي وإنهاء ربطه بسوق الذهب، بسبب أزمة البطالة وأزمة التضخم داخل أمريكا (إنهاء عملي لمنظومة بريتون وودز المعمول بها منذ 1945). مثلما عمل على إنهاء حرب الفيتنام سنة 1973 ذات الكلفة الثقيلة على الأمريكيين قتلى ومعطوبين وميزانية أسلحة ضخمة، بعد أن بادر سنة قبل ذلك (1972) بشكل صدم الكثيرين إلى ترسيم العلاقة الديبلوماسية مع الصين وزعيمها ماوتسي تونغ بنظامها الشيوعي وقام بأول زيارة لرئيس أمريكي إلى العاصمة بكين. دون نسيان إعادة موضعة علاقات بلاده مع الإتحاد السوفياتي (معاهدة تقليص الأسلحة الباليستية والحد من التسلح الموقعة بموسكو سنة 1972).
مما يعني إعادة موضعة جديدة لمواقف الإدارة الأمريكية من قضايا حيوية سياسية (العلاقة مع الفضاء الآسيوي الشيوعي)، وعسكرية (تقليص التدخل العسكري الأمريكي في الخارج)، واقتصادية (التركيز على مشاريع اجتماعية لمحاربة المخدرات والسرطان والقضاء على الميز العنصري بولايات الجنوب وعلى البطالة والتضخم).
أي أن التوجه الجديد لواشنطن حينها هو تقليص واجهات التوتر عالميا والإهتمام أكثر بتطوير المناعة الداخلية الأمريكية اقتصاديا واجتماعيا، الأمر الذي سيبرز بوضوح أكبر في عهد الرئيس جيمي كارتر (الرئيس 39 بأمريكا) ابتداء من سنة 1977.
- ثانيا، أثر "حرب البترول" على السياسة الخارجية الأمريكية ضمن المجال الإسلامي والعربي (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، كجزء من تداعيات حرب أكتوبر 1973 بين إسرائيل ومصر وسورية. الذي سَرَّعَ من تغيير ملموس في السياسة الأمريكية بهذا المجال الجغرافي الحيوي المالك لأكبر احتياطيات البترول والغاز في العالم، كانت من تطوراته الكبرى رعاية اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل وتوقيعه بكامب ديفيد بأمريكا على عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر سنة 1978.
- ثالثا، سقوط نظام الملكية للشاه رضا بهلوي في إيران سنة 1979، وتأسيس الجمهورية الإسلامية بطهران بتوجه ثيوقراطي شيعي متشدد، كانت من بين نتائجه الكبرى احتلال مقر السفارة الأمريكية بالعاصمة الإيرانية من قبل عناصر "الحرس الثوري" التابعة مباشرة للمرشد الأعلى للجمهورية الجديدة آية الله الخميني، واحتجاز عدد كبير من الرهائن الأمريكيين بها (52 رهينة) فيما بين نونبر 1979 ويناير 1981. وسعي إدارة الرئيس كارتر بكل الوسائل العسكرية والديبلوماسية لتحريرهم.
- رابعا، ميلاد ما أصبح يعرف ب "قضية الصحراء" في شمال غرب إفريقيا، بعد استعادة المغرب سلميا لحقوقه المشروعة في صحرائه الغربية الجنوبية سنة 1975 إثر تنظيمه بنجاح لما يعرف في الأدبيات السياسية ب "المسيرة الخضراء" من الإستعمار الإسباني. ثم ما تلاه من ميلاد عداء ليبي - جزائري ضد المغرب تُرجِمَ في دعمهما بالسلاح لحركة شبابية صحراوية مغربية يسارية ماركسية لينينية ولدت تحررية في بداياتها سنة 1973 ثم أصبحت انفصالية بعد ذلك ابتداء من سنة 1974 (جبهة البوليزاريو)، مع منحها مجالا جغرافيا للهجوم على الأراضي المغربية من فوق التراب الجزائري بولاية تيندوف.
بالتالي فقد أصبحت العلاقات المغربية الأمريكية والعلاقات الجزائرية الأمريكية في المرحلة ما بين 1970 و1980 محكومَةً بهذه التطورات والسياقات العالمية من موقع انخراط الإدارة الأمريكية في توجه ديبلوماسي جديد يحاول تجاوز تبعات الحرب الباردة ما بعد الحرب الكورية لسنة 1950.
إن الخلاصة المركزية هنا هي أنه تغيرت الرؤية الأمريكية للمجال المتوسطي لشمال إفريقيا بحسابات ما بعد حرب أكتوبر 1973 وما بعد الطفرة النفطية وما بعد الثورة الخمينية بإيران. حيث تعززت أكثر العقيدة الإسرائيلية ضمن مجال القرار السياسي الإستراتيجي لواشنطن، التي بدأت تستقل بالحلول المرتبطة بأزمة العلاقات بين حليفتها الكبرى إسرائيل والعواصم العربية المحيطة جغرافيا بالأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل تل أبيب منذ 1967. هنا برزت شخصية وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر كعراب لهذا التطور المرسخ لانفراد أمريكا بملف الصراع العربي الإسرائيلي في مقابل تراجع أثر دور الدول الأروبية السابق (بالأساس بريطانيا وفرنسا).
كانت نتيجة استراتيجية كيسنجر الديبلوماسية هي مسلسل اتفاقيات السلام بين تلك الدول العربية المحيطة وبين إسرائيل. بدايته مع مصر (اتفاقية كامب ديفيد يوم 17 شتنبر 1978)، تلاه سنوات بعد ذلك اتفاق سلام مع الأردن (اتفاقية وادي عربة يوم 26 أكتوبر 1994)، وقبله اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات (وقع بواشنطن يوم 13 شتنبر 1993).
لكن علينا ألا ننسى أنه سيقع بالتوازي تطور جديد ضمن مجال شمال غرب إفريقيا، تمثل في بروز قوة الورقة الجزائرية ضمن الحسابات الأمريكية تلك. سنَدُهُ كامنٌ في الدور الذي أصبحت تلعبه الحكومة الجزائرية ضمن الدول المنتجة للبترول والغاز خاصة بعد التحاقها بمنظمة الدول المصدرة للنفط نهاية 1969، ثم قرار رئيسها هواري بومدين تأميم الصناعة البترولية ببلاده (24 فبراير 1971). الأمر الذي تكامل مع تحقيق تراكم تطوري في الدور الديبلوماسي للجزائر بهيئة الأمم المتحدة، وتَعَزَّزَ أمريكيا مع الوساطة الناجحة التي لعبتها الخارجية الجزائرية مع إيران لإنهاء ملف "الرهائن الأمريكيين" بالسفارة الأمريكية بطهران (اتفاقية الجزائر يوم 19 يناير 1981)، بعد الفشل المذل الذي طال إدارة الرئيس كارتر في هجوم للمخابرات العسكرية الأمريكية لتحرير أولئك الرهائن (24 أبريل 1980).
خلصت عدد من الدراسات الأمريكية حينها إلى تسجيل ما يلي:
• فشل الولايات المتحدة في إدراك القيمة الجيو- سياسية والسياسية الكاملة للمغرب؛
• فشل المغرب في مطالبة الولايات المتحدة ببناء علاقة أكثر توازنًا؛
• التذبذب في السياسة الأمريكية بشأن توازن المصالح بين المغرب والجزائر.
لقد شكلت مثلا الولاية الرئاسية للرئيس الديمقراطي جيمي كارتر أسوأ فترة في العلاقات المغربية الأمريكية (1977 – 1981). بسبب الفلسفة السياسية للفريق العامل ضمن صناعة القرار الأمريكي بالبيت الأبيض حينها، التي تتأسس على تقليص التدخل العسكري الأمريكي في الخارج، ثم ربط أية مساعدات عسكرية أو اقتصادية برزنامة شروط من ضمنها مدى احترام آلية حقوق الإنسان.
الواقع هو أن إدارة كارتر كانت تحاول استعادة ثقة الأمريكيين في مؤسسات بلادهم بعد فاتورة حرب الفيتنام الثقيلة وبعد الفضيحة السياسية ل "ووتر غيت" التي أطاحت بالرئيس نيكسون. مثلما أصبح لها رهان على الدول المنتجة للنفط كخيار استراتيجي للتحكم أو توجيه السوق العالمية للطاقة (ضمنها الجزائر وليبيا في ما يتعلق بمنطقة شمال إفريقيا)، ثم محاولة لعب دور فاعل في حل القضية الفلسطينية من خلال تنظيم أول لقاء سري بين مسؤول أمريكي (يونغ) وممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية بأمريكا (الترزي)، كلف إدارة كارتر الكثير. كان أوله إقالة ممثلها الدائم بمجلس الأمن أندري يونغ من منصبه بضغط من اللوبي الإسرائيلي وآخره الضغط إعلاميا ومؤسساتيا بقوة من قبل تيار الإنجلييين الكنسيين لعدم فوز كارتر في انتخابات نونبر 1980 أمام المرشح الجمهوري رونالد ريغان بسبب عدم معارضة إدارة كارتر لقرار مجلس الأمن في غشت 1980 الذي يدين إسرائيل وسياستها الإستيطانية وسعيها لنقل عاصمتها إلى مدينة القدس.
سيقع حينها لأول مرة تطور في العلاقات الأمريكية الجزائرية ابتداء من سنة 1977 فتح الباب لتغيير في شكل تعامل الإدارة الأمريكية مع دول غرب شمال إفريقيا، أصبحت تحضر فيه الورقة الجزائرية كمجال للإستثمار الطاقي ولتدبير توازن القوى في السوق العالمية لإنتاج النفط. من نتائجه ميلاد نوع من التوازن جديد في فلسفة العلاقات الديبلوماسية الأمريكية بين المغرب والجزائر.
سيقوم حينها سفير واشنطن بهيئة الأمم المتحدة وممثلها الدائم بمجلس الأمن أندرو يونغ بزيارة إلى العاصمة الجزائر حيث سيلتقي لأول مرة مسؤول رسمي أمريكي بممثلي جبهة البوليزاريو. كان يونغ معروفا بدفاعه عن الأقليات بأمريكا، رفيقا لمارثن لوثر كينغ، منتصرا لحركات التحرير في إفريقيا السوداء وللقضية الفلسطينية.
نعم ظلت الرؤية إلى المغرب كحليف تاريخي لأمريكا قائمة لا تزال في بعضٍ من دواليب صناعة القرار بواشنطن، بحكم موقعه الجيو – ستراتجي عند مضيق جبل طارق وبالفضاء المتوسطي وبالبعد الأطلسي ولدوره المؤثر في نزاع الشرق الأوسط (خاصة في تفاصيل اتفاقية كامب ديفيد)، لكن الرأي الجديد الذي أصبح غالبا زمنها ضمن إدارة الرئيس جيمي كارتر لم يكن متعاطفا مع المغرب. بل كان رأيا نقديا سلبيا يُترجِمُ عدم وضوح في الرؤية الأمريكية لشكل العلاقة التي يجب أن تحكم مصلحيا بين البلدين.
لقد تعرض المغرب مثلا في ما بين 1977 و 1980 لهجومات عسكرية عنيفة بصحرائه الغربية الجنوبية قادمة من التراب الجزائري تقودها عناصر جبهة البوليزاريو بسلاح متطور روسي وأيضا بسلاح نوعي من عدد من دول أروبا الشرقية، وبتوجيه ميداني من ضباط عسكريين جزائريين وكوبيين وفيتناميين. نتيجته في الميدان تسجيل خسارات مؤثرة للمغرب على مستوى قواته العسكرية. مما يعني عمليا أن المغرب كان يواجه لوحده تكتل دول من المعسكر الشرقي عند ممر استراتيجي حيوي مثل مضيق جبل طارق وعند الحدود الجنوبية لدول أروبا الغربية.
رغم ذلك تُرِكَ المغرب وحيدا حينها، رغم دوره المحوري ذاك، في تلك المواجهات العنيفة من قبل واشنطن وإدارة الرئيس جيمَي كارتر في السنوات ما بين 1977 و1979. بل طالب المغرب الإدارة الأمريكية بإلحاح تزويده بأسلحة نوعية جديدة لمواجهة ذلك العدوان العسكري ضده بأسلحة سوفياتية، خاصة تزويده بمروحيات "كوبرا" المتطورة. لكن الرد الأمريكي كان صادما بل "كارثيا" حيث وجه الكونغرس الأمريكي تحذيرا وتوبيخا إلى المغرب بسبب استعماله لطائرات إف 5 الأمريكية في حرب الصحراء بدعوى أن تسليمها له كان مشروطا باستعمالها فقط على الحدود مع الجزائر.
أكثر من ذلك قامت إدارة الرئيس كارتر في مارس 1978 بإلغاء طلب تزويد المغرب بسلاح جديد، مع رسالة رسمية تقول بأن بيع السلاح الأمريكي له سيكون في الحدود الدنيا. بل توازى ذلك مع حملة من قبل عدد من النواب الأمريكيين بالكونغرس ضد المصالح المغربية (خاصة السيناتور الديمقراطي ستيفان سولارز)، بدعوى دعم حركة مسلحة تطالب ب "حق تقرير المصير لساكنة الصحراء". حيث أصبح النقاش متمحورا حول ربط أية مساعدات عسكرية للمغرب بمدى استعداده لإيجاد حل للنزاع.
تطلب الأمر حينها زيارة دولة من العاهل المغربي الحسن الثاني رحمه الله إلى واشنطن سنة 1978، بدأت بعدها إدارة الرئيس كارتر تتفهم بعض الشئ المطالب المغربية، حيث قامت بمجهود سياسي لفرملة الحملة المناهضة للحقوق المغربية داخل الكونغرس. خاصة وأن إدارة كارتر وجدت نفسها محرجة بعد احتجاج عنيف وقوي للعاهل المغربي إثر تسرب أخبار تفيد موافقة واشنطن بيع أسلحة مشابهة للجزائر. الأمر الذي جعلها تقرر إرضاءً للرباط السماح بصفقة بيع أسلحة دفاعية، شملت ست مروحيات إيطالية الصنع من طراز "تشينوك" كنوع من التعويض. بل إنه بحلول شهر أكتوبر 1979 وافقت واشنطن على منح المغرب 24 مروحية أخرى و20 طائرة مقاتلة من طراز F-5E. تلت ذلك سلسلة زيارات محددة الأهداف لمجموعة من النواب الأمريكيين من الكونغرس إلى المغرب في الفترة ما بين نهاية 1979 وأبريل 1980.
دخلت حينها العلاقات المغربية الأمريكية واحدة من أصعب لحظاتها التاريخية، جعلت الرأي العام بالمغرب يستشعر نوعا من الخذلان من الجانب الأمريكي غير مسبوق، يكاد يصل مستوى "العداء المغلف". ترجم واحدة من لحظات التذبذب التي أطرت الرؤية الأمريكية لمجال من مجالات أمنها القومي الحيوية التي هي منطقة غرب المتوسط وغرب إفريقيا.
سيقع تغيير جوهري مع نهاية ولاية الرئيس جيمي كارتر ومجيئ الرئيس الجمهوري دونالد ريغان في بداية سنة 1981. حيث وافقت الإدارة الأمريكية الجديدة على تزويد المغرب بأسلحة نوعية بعد منحه قرضا ب 189 مليون دولار لشراء 108 دبابة من طراز M-60A3 وعدد من مركبات النقل العسكرية.
بل بادرت إدارة الرئيس ريغان بسرعة إلى إلغاء العديد من القيود التي فرضتها إدارة كارتر على المغرب فيما يتعلق بالتسلّح. فقد عَرَضَ في جلسات استماع في مارس 1981 بالكونغرس مساعد وزير الخارجية الأمريكي موريس درابر وجهة نظر الإدارة الجديدة التي تقول بأن "الأصدقاء القدامى مثل المغرب يستحقون دعمنا واهتمامنا" من الناحية الأمنية.
أصبحت إدارة الرئيس ريغان تنظر إلى المغرب بصفته عنصرا أساسيا في مجهودها لمكافحة الشيوعية والحد من النفوذ السوفياتي في المنطقة. لكن مع تسجيل استمرار واشنطن مواصلة السياسة التصالحية تجاه الجزائر، بعد أن بلغت العلاقات معها مستويات مهمة منذ نجاحها في الوساطة لإطلاق سراح رهائن السفارة الأمريكية بإيران ودخول الشركات الأمريكية العاملة في مجال البترول إلى سوق الإنتاج الجزائرية بالتعاون مع شركة سونطراك المحلية (خاصة مجموعة هيوستن). بحيث إنه مع كل قرار كانت الإدارة الأمريكية تتخذه بشأن نزاع الصحراء، كان على المسؤولين (خاصة في وزارة الخارجية) أن يأخذوا في الاعتبار تأثير ذلك على الجزائر. بدليل أنه عندما قرر الرئيس ريغان رفع القيود المفروضة على بيع الأسلحة للمغرب بداية سنة 1981 أيد في الوقت نفسه صفقة تجارية لبيع ست طائرات من طراز لوكهيد C130 للجزائر.
وُلِدَ من حينها توجهٌ سياسي أمريكي لانتهاج سياسة "متوازنة" يقوم على دعم قوي للمغرب كحليف ضمن "الإستراتيجية الأمنية الأمريكية"، مع تشجيع هادئ لعلاقة صداقة متنامية مع الجزائر.
الحقيقة إن التطور النوعي الأكبر الذي ستشهده العلاقات المغربية الأمريكية سيتم تدشينه مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيغ إلى الرباط في فبراير 1982، حيث تم التوقيع لأول مرة منذ استقلال المغرب سنة 1956 على إنشاء "لجنة عسكرية عليا مشتركة" بين البلدين، مع فتح مفاوضات معمقة لاحتمال استخدام واشنطن للمنشآت العسكرية المغربية في حالة الطوارئ القصوى بالشرق الأوسط وإفريقيا وغرب المتوسط. وهي المفاوضات التي انتهت إلى التوقيع على اتفاق حول ذلك بواشنطن في ماي 1982 على هامش الزيارة التي قام بها العاهل المغربي الحسن الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
شكل ذلك من حينها بداية انعطافة جديدة في العلاقات المغربية الأمريكية غير مسبوق، دشن لأشكال تعاون عسكري لا نظائر له في كامل القارة الإفريقية وفي المجالين العربي والإسلامي، كانت ترجمته تتمثل في تنظيم مناورات عسكرية مشتركة مكثفة بلغت دروتها سنة 1985 التي شهدت لوحدها تنظيم 30 مناورة مشتركة بخبرات تقنية متقدمة امتدت على مدى 200 يوم.
تطور ذلك التعاون المغربي الأمريكي منذ عهد الرئيس ريغان ليصبح تعاونا بأفق استراتيجي غير مسبوق حقق تراكما مؤسساتيا بتوالي السنوات حتى بلغ مستوى الشراكة الاستراتيجية منذ 1982 من خلال توقيع اتفاقية التعاون الثقافي والتعليمي والجمعوي وتعزز مع توقيع اتفاقية التبادل الحر سنة 2004 (دخلت حيز التنفيذ سنة 2006)، ثم تنظيم مناورات عسكرية لا تزال تعتبر الأضخم من نوعها في إفريقيا والشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط بين البلدين (مناورات الأسد الإفريقي منذ سنة 2007).
إننا حين نعيد قراءة مسار تطور العلاقات المغربية الأمريكية خلال الخمسين سنة الماضية حتى توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوما رئاسيا للإعتراف بمغربية الصحراء ونشره بالجريدة الرسمية الأمريكية وإخبار هيئة الأمم المتحدة به عبر مجلس الأمن سنة 2020، نجد تراكما منتجا لرسوخ الرهان الأمريكي على الجغرافية المغربية إفريقيا ومتوسطيا، ضمن الرؤية الأطلسية لصناعة القرار بواشنطن.
بالتالي إن من الخلاصات المحورية تحليليا هي أن هندسة العلاقات الأمريكية المغربية في آفاقه الإستراتيجية الكبرى (الصلبة) يتم أساسا منذ عهد الرئيس رونالد ريغان بمؤسسة وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون. إذ علينا دوما استحضار طبيعة آلية صناعة القرار القومي الأمريكي في العلاقة مع باقي جغرافيات العالم، التي تقوم على بنية مؤسساتية يُشَكِّلُ الرئيس قمة هرمها نعم، وأن القرارات الخارجية تعود إليه. لكنه عمليا لا يُعْلِنُ أيًّا من قرارات الدولة الأمريكية تلك سوى بعد الإجتماع بمجلس أمن قومي داخلي بالبيت الأبيض مشكل من:
- وزير الخارجية
- مدير جهاز المخابرات الخارجية "السي آي إيه"
- وزير الدفاع
- سفير واشنطن بالأمم المتحدة
- رئيس موظفي البيت الأبيض
- المسؤول عن أجهزة الأمن الأمريكية..
ثم إنه بعد تَداوُلِ أبعاد مختلف الملفات والقرارات يتخذ الرئيس القرار النهائي ويُمَرِّرُهُ إلى وزير الخارجية للتكفل بشكليات تنفيذه.
إننا لو انطلقنا من المسلمة المعروفة أن اللغة الوحيدة التي تتكلمها الدول هي "لغة المصالح"، اللغة التي تًتْقِنُها واشنطن بمسافات، فإن شكل تدبير مصالحها في العلاقة مع الجغرافية المغربية خلال السبعين سنة الماضية إلى اليوم، إنما يقدم الدليل على أن رهان واشنطن على الرباط رهانٌ استراتيجي ضمن حساباتها الأطلسية.
مهم هنا الإشارة إلى بعض من عناوين ذلك:
- أليس المغرب هو ثاني بلد إفريقي وعربي تدشن أمريكا معه "حوارا استراتيجيا" بعد مصر؟
- أليس المغرب هو العضو الإفريقي الملاحظ (الأول من خارج المنظومة الغربية) بحلف شمال الأطلسي منذ أكثر من 30 سنة؟
- أليس المغرب أول بلد إفريقي وعربي دعمته واشنطن في أبحاثه النووية السلمية منذ سنة 2001؟
- أليس المغرب أول بلد إفريقي وعربي وقعت معه الإدارة الأمريكية اتفاقية للتبادل الحر سنة 2004؟
- أليس المغرب من أوائل الدول التي وقعت معها أمريكا اتفاقية "الألفية" التي تجددت أكثر من مرة؟
- أليس المغرب العاصمة الجهوية بشمال إفريقيا التي تم توقيع اتفاقية شراكة معها من قبل المؤسسة الأمريكية الرسمية "مبادرة ازدهار إفريقيا" بميزانية تقارب 5 مليارات دولار في مرحلة أولى، تُشَكِّلُ بوابةً للإستثمار الأمريكي صوب دول الساحل وغرب إفريقيا؟
- ألم يتم اختيار الدار البيضاء (عبر قطبها المالي) لتكون البوابة لمشروع أمريكي طموح لتمويل مشاريع التنمية بالدول الإفريقية عقب أول قمة أمريكية إفريقية بواشنطن سنة 2014؟
- أليس المغرب البلد الإفريقي الذي تجري معه وزارة الدفاع الأمريكية أكبر المناورات العسكرية بالقارة السمراء وبالفضاء المتوسطي منذ سنة 2007، "مناورات الأسد الإفريقي"؟
إن التأطير المحدد للرهان الأمريكي على الجغرافية المغربية ضمن استراتيجيتها الإفريقية الأطلسية الجديدة يجد مرتكزه في تقاطع المصالح والملفات ذات الحيوية العالية التي يمنحها ويهبها للمغرب موقعه الجيو- ستراتيجي جغرافيا على ثلاث واجهات محورية:
- متوسطيا وأطلسيا.
- عربيا وإفريقيا.
- أروبيا وأمريكيا.
رهانٌ سجل انعطافته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وليس اليوم فقط.
هل علينا أن نقلق من واشنطن؟
تأسيسا على ما سبق سيكون من الحكمة ليس "القلق" بل "الإنتباه". لأن منطق التوازن في المصلحة الأمريكية ضمن مجالنا المتوسطي (تجاه إسرائيل) والشمال إفريقي (تجاه السوق الغازية والنفطية الجزائرية وتجاه مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل)، يلزم بتنسيب الأحكام وعدم التسرع في الحكم على نتائج التدافع المصالحي بيننا وبين الحكومة الجزائرية (التي يحكمها منطق الخصومة مع كل ما هو مغربي) في علاقتنا مع واشنطن. وألا نغفل أساسا عن "الإستراتيجية الإفريقية" الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية التي يشكل فضاؤنا المتوسطي من ضمنها بعمقه حتى نيجيريا واحدا من مداخله الحيوية.
تدرك جيدا واشنطن محورية علاقاتها الجيو ستراتيجية مع المغرب متوسطيا وأطلسيا (من هنا جدية موقفها لإنهاء نزاع الصحراء الذي تحاول المؤسسة الحاكمة بالجزائر تحقيق ربح سياسي منه بما يخدم حساباتها الخاصة)، على القدر نفسه الذي تطمح عمليا أيضا إلى أن تعزز موقعها ضمن المجال الجزائري طاقيا وأمنيا من ضمن مخططها الأكبر لتعزيز نفوذها في القارة الإفريقية بالتصادم والتدافع مع الصين وروسيا في المقام الأول (في مقابل تآكل النفوذ التقليدي لفرنسا بالمنطقة وطموح إسبانيا أن تصبح القوة الإقليمية الأروبية الكبرى بغرب المتوسط وسيدة المضيق كله في أفق استعادتها جبل طارق من لندن وعدم تفريطها في سبتة ومليلية المغربيتان بسند أروبي).
ها هنا عمق سر "رمانة الميزان" التي تحاول واشنطن بما يخدم مصالحها في المقام الأول تثبيتها في منطقتنا الملتهبة..
قرائن كثيرة تؤكد أن "عقل الدولة" بالمغرب مدرك لقوة التيار العالي هذا الذي يؤطر هذه التشابكات المعقدة بمنطقتنا، وأن ذلك الإدراك هو صمام أمان طمأنينتنا المغربية في المقام الأول.
لكن تم سؤال يفرض نفسه:
هل الجسم السياسي الحزبي المغربي يحلق على ذات المستوى من الإدراك؟
إنه التحدي الذي يواجه حكومة السيدة فاطم الزهراء المنصوري تنفيذيا والتحدي الذي يواجه أيضا فطنة ممثلي الأمة في البرلمان تشريعيا..






