1/ الاختباء وراء نظرية المؤامرة، بالتركيز، كالمعتاد، على أن ما يحدث هو مؤامرة من قوى معارضة داخلية، يتم استغلال التحديات للقيام بشيطنتها، ثم فيما بعد اختلاق علاقات تواطؤ لها مع قوى خارجية، دون تجشم عناء تحديد الهوية الحقيقية لهذه القوى؛ فهي تارة إمبريالية رأسمالية صهيونية توسعية إذا كانت قوى دولية، وطوراً هي مجرد أداة في خدمة الآخرين إذا كانت قوة إقليمية.
2/ الإصرار على اعتبار تلك التحديات ليس فقط قضية محلية، وإنما هي مساس بالأمن القومي العربي المشترك بصفة عامة، والدفع تبعاً لذلك في اتجاه المطالبة بإدانتها، وبإدانة مصدرها، رغم عدم الجرأة في الكثير من الأحيان على تحديد هوية هذا المصدر، ومن ثم المطالبة بالتضامن ضد هذه التحديات ودعم جهود مواجهتها، في نوع مستجد من الابتزاز.
وكما لا يهم أنظمة هذه الدول تحديد مصدر تلك التحديات، فهي لا تهتم بطبيعتها أيضاً؛ فالأمر سيان عندها، سواء أكانت تلك التحديات الأمنية داخلية، نتيجة ما تمارسه معظمها من قمع ومصادرة للحقوق والحريات ورغبة في الاستئثار بالسلطة، أو كانت خارجية بسبب خلافات سياسية تكون إما مفتعلة أو جرى تضخيمها بغية اختلاق أعداء وهميين لصرف أنظار الرأي العام لديها عما يعانيه من ممارساتها، وعن المشاكل الحقيقية التي يعانيها في حياته اليومية.
لهذا، ورغم تواتر العديد من الحالات التي حاولت استدعاء تطبيق مفهوم الأمن القومي العربي المشترك، وفرض اعتبار ما حصل لهذا النظام أو ذاك مساساً بجوهر هذا المفهوم، فقد ظل تفعيل آليات التضامن المرجو مجرد حبر على ورق. ولا شك أن أنصع دليل من التاريخ العربي المعاصر هو ما جربه نظام صدام حسين سنة 1990، إذ حاول عبر هذا المفهوم ليس فقط التهرب من أي إدانة عربية ودولية لقيامه بغزو الكويت، وإنما تبرير ذلك الغزو، والتمويه على الجرائم التي ارتكبها جيشه طيلة المدة التي استغرقها الغزو.
وتكمن أسباب عدم القدرة على تنزيل هذا المفهوم على أرض الواقع في التناقض الصارخ بين بُعده النظري والمأمول، المتمثل في التعبير عن تضامن العرب فيما بينهم، وبين حقيقة العديد من العلاقات الثنائية المختلفة بين أعضاء النظام الإقليمي العربي أنفسهم، وفي علاقات كل واحد منهم مع الدول الأخرى في المحيط الإقليمي وعلى الصعيد الدولي أيضاً.
وغير خافٍ على أحد أن العرب، منذ إنشاء جامعة الدول العربية في مارس 1945، وهم يتحدثون عن أمنهم القومي المشترك والمصيري. وقد تكرس هذا الحديث بشكل قانوني بعد أن توصلت الدول العربية المستقلة آنذاك، وهي سبع دول فقط، إلى إبرام معاهدة للدفاع المشترك سنة 1950، مدعية أنه تم الاستناد للوصول إليها إلى معطيات التواصل الجغرافي للمنطقة العربية، ووحدة وقوة الروابط العرقية والثقافية واللغوية والدينية والاجتماعية، ناهيك عن التماثل الكبير حينها بين الأنظمة السياسية، إذ كانت أغلبيتها أنظمة ملكية (مصر والسعودية والأردن والعراق واليمن)، مقابل نظامين جمهوريين فقط في كل من سوريا ولبنان، لم يكن لهما آنذاك أي تأثير سياسي يذكر على الصعيد الإقليمي.
والواقع أن هذه المعاهدة لم تكن نتاج قناعات مشتركة بالروابط القوية والمصيرية بين الدول العربية، وإنما أملت إبرامها آنذاك خطورة التحديات الأمنية والسياسية والعسكرية المستجدة في منطقة الشرق الأوسط بعد تأسيس دولة إسرائيل كوطن قومي لليهود على جزء من أرض فلسطين العربية، بمباركة ومشاركة من القوى الدولية الكبرى، وبعد انتصار تلك الدولة في أول حرب لها مع العرب سنة 1948، وتمكنها من توسيع الرقعة الجغرافية لترابها الوطني أكثر مما منحها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، الصادر بتاريخ 29 نونبر 1947، وهو القرار الذي نص على تقسيم أرض فلسطين إلى دولتين: الأولى يهودية رأت النور في 15 مايو 1948، والثانية عربية لم تر النور، وإنما ألحقت الأراضي التي منحت لها بالمملكة الأردنية الهاشمية.
إن هذا التناقض الصارخ بين ما تم ترويجه عن وجود دوافع أخوية ومصيرية لإبرام معاهدة الدفاع العربي المشترك، وبين حقيقة ظروف إبرامها، هو أساس عدم دخولها حيز التنفيذ إلى يومنا هذا، وذلك رغم تغير طبيعة العديد من أنظمة المنطقة نتيجة ثورات أو انقلابات، وأن عضوية جامعة الدول العربية نفسها قد توسعت لتصل إلى 22 دولة عضواً الآن، بل إن هذه التغييرات وهذا التوسع أحدثا آثاراً عكسية مناقضة تماماً للأهداف المتوخاة في البداية من معاهدة الدفاع المشترك.
وقد تمثلت تلك الآثار العكسية في بدء العديد من الأنظمة التي ارتدت قناع الثورية والتقدمية بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى تم اعتبارها رجعية، والسعي في كثير من الأحيان إلى تغييرها أو ابتزازها، ناهيك عن العبث بالوحدة الترابية لبعضها، وذلك حسب الحالات، إما من خلال دعم انقلابات عسكرية أو تمويل احتجاجات اجتماعية وتوفير تغطية إعلامية كبيرة لها، بل وحتى خلق حركات انفصالية داخلها وتسليحها وتدريبها.
ولا شك في أن نجاح بعض هذه التدخلات الفجة بإسقاط أنظمة ملكية معتدلة، كما حصل في العراق سنة 1958، وفي ليبيا سنة 1969، فضلاً عن نجاح أحزاب تدعي التشبث بالقومية العربية بالاستيلاء على السلطة وفرض دكتاتوريتها في كل من سوريا عام 1963، والعراق عام 1968، أغرى العديد من الأنظمة التي سمت نفسها ثورية بمواصلة هذا النهج العدواني المستفز ضد جيرانها ممن واجهوا أطماعها بحزم وبحنكة وحكمة واقتدار.
ورغم أن متزعم هذا التيار، وهو النظام الناصري في مصر، قد تلقى، إلى جانب النظام البعثي في سوريا، هزيمة عسكرية نكراء من طرف إسرائيل في حرب حزيران/يونيو 1967، فإن آفة تدخلات الأنظمة التي تدثرت بأسمال الثورية والتقدمية في شؤون واختيارات الدول العربية الأخرى، وخاصة ذات الأنظمة الوراثية، قد تواصلت مرتدية أشكالاً متعددة ومستجدة على الساحة العربية.
في هذا السياق يدرج قيام نظام صدام حسين بغزو الكويت سنة 1990، وضمها عنوة إلى العراق واعتبارها مجرد محافظة تابعة له، كما تدرج حالة التباهي علناً من نظام العقيد القذافي في ليبيا بمحاولته اغتيال العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، ناهيك عن قيام قائد أركان الجيش الجزائري بوسم المغرب بأكبر عدو لبلاده، في سابقة خطيرة في العلاقات البينية بين دول الجوار.
وتأسيساً على معطيات كهذه، من الطبيعي أن يضمحل منسوب الثقة في عدد من العلاقات البينية بين البلدان العربية، بل وأن تنقطع أواصر التواصل بينها، مقابل إعطاء كل دولة الأولوية الاستراتيجية لقضاياها الداخلية وتأمين نفسها على ما قد يكون لها من قواسم مشتركة مع الدول الأخرى، وهو الأمر الذي انعكس سلباً على كل المؤسسات التي يفترض فيها تنظيم وتقوية العمل العربي المشترك وتوسيع آفاقه، ليغدو الحديث عن الأمن القومي الواحد مجرد خرافة، تماماً كطائر العنقاء، نسمع به ولا نراه.






