الاتحاد الاشتراكي، هذه الأيام، يقف أمام المرآة، كأنه يربت على كتفه القديم، ثم يسأل نفسه في جدية حزبية كاملة: أين سنجلس؟
لشكر حتما... ليس في عقله غير الجلوس على طاولة الحكومة.... مهما كان الثمن... وهو يريد... ثمن اختياره "المنطقة الرمادية" لا عيب ولا عار مع أحد....
فلا أحد يسأل، بما يكفي من الشجاعة: هل ما زال للاتحاد الاشتراكي مكان في قلوب الذين القوات الشعبية؟
هذه هي المفارقة الموجعة.
فالانتخابات قالت كلمتها. الاتحاد الذي حصل على 35 مقعداً في 2021 عاد بـ26 مقعداً. تسعة مقاعد غادرت القطار، ولم نعرف بعد هل نزلت في المحطة الخطأ أم أنها قررت تغيير الوجهة نهائياً...
فكثير من الأعيان... غادروا الحزب... وحصلوا على مقاعد باسم أحزاب أخرى... حتى إن أحدهم ما زال يرأس جماعة باسم الحزب، وبرلماني باسم حزب آخر...
وبدل أن يفتح الحزب نافذة على سؤال التشخيص والمصالحة مع قيمه، فتحت نافذة أخرى:
الحكومة...
آه، الحكومة... كم تغريك يا إدريس... وبعدك الطوفان...
الحكومة ذلك... البيت المغربي الكبير الذي تتغير غرفه، وتبقى شهية الساكنين إليه ثابتة...
لشكر والحقيبة التي تبحث عن صاحبها
لا عيب أن يريد إدريس لشكر الحكومة... السياسة ليست ديراً للرهبان، والسياسي ليس زاهداً عن الحكم... نذر نفسه للعزلة..
لكن هناك فرقاً بين حزب يدخل الحكومة لأنه يحمل مشروعاً، وتحالفاً يليق بقوته ووزنه، وحزب يدخلها لأنه يخشى أن يراه الناس خارجها...
الأول يدخل حاملاً حقيبته.
والثاني يدخل حاملاً قلقه...
وهنا تصبح الحقيبة الوزارية شيئاً يشبه المظلة في يوم بلا مطر: جميلة، فاخرة، ومطمئنة... لكنها لا تحل مشكلة الجفاف.
الاتحاد يحتاج اليوم إلى شيء آخر.
يحتاج إلى أن يجلس مع نفسه، لا مع رئيس الحكومة فقط.
أن يفتح دفاتره القديمة.
أن ينفض الغبار عن الكلمات الكبيرة: الاشتراكية، العدالة، الديمقراطية، الطبقة الوسطى، المدرسة العمومية، الشغل، الكرامة.
ثم يسأل:
ماذا فعلنا بهذه الكلمات حتى أصبحت تشبه صوراً معلقة على جدار بيت غادره السكان؟
وحنان رحاب قالت هذا بشجاعة... نتمنى ألا تؤدي ثمنها... فإدريس يقلقه الصوت المغاير... وحنان قالت ما لا تحب بعض الأحزاب سماعه.
رسالة حنان رحاب إلى إدريس لشكر ليست مجرد نصيحة حزبية. إنها، في جوهرها، محاولة لجرّ الحزب من أذنه إلى المرآة.
تقول له تقريباً:
لنجلس قليلاً...
رجاء... لا تركض.
دع الحكومة وشأنها.
دع الوزراء يتسابقون على الكراسي.
وانظر إلى هذا البيت الاتحادي الذي يحتاج إلى إعادة ترتيب، لا إلى صباغة واجهته.
لأن المشاركة في الحكومة، إذا جاءت بلا مشروع، قد تكون مثل وضع تاج من ذهب على رأس مريض:
سيبدو أنيقاً... لكنه لن يشفى.
والاتحاد اليوم لا يحتاج إلى تاج.
يحتاج إلى تشخيص... المشاركة انتحار... آخر مسمار في نعش الحزب.... الذي هو من ابتدع لغة "الوافد الجديد"...
يا حزب المهدي... أين ذهب الناس؟
كان الاتحاد ذات يوم يعرف كيف يتحدث مع الناس.
كان للسياسة فيه رائحة الشارع، وحرارة النقاش، وصوت النقابة، وقلق الأستاذ، وغضب العامل، وأحلام الطالب.
اليوم، أين كل ذلك؟
أين العامل الذي كان يرى في الحزب لسانه؟
أين الطالب الذي كان يراه أفقاً؟
أين المثقف الذي كان يجد فيه سؤالاً لا مجرد جواب جاهز؟
أين الشاب الذي يفتح هاتفه صباحاً فلا يجد في الأحزاب إلا صوراً لرجال يبتسمون في المؤتمرات؟
الشباب تغيروا.
المجتمع تغير.
المدينة تغيرت.
القرية تغيرت.
العمل تغير.
الصحافة تغيرت.
حتى الغضب المغربي تغير.
وحده بعض الخطاب الحزبي يبدو كأنه خرج لتوه من غرفة مغلقة، ولم يكتشف بعد أن العالم في الخارج قد أمطره الإنترنت والبطالة والغلاء والهجرة والذكاء الاصطناعي.
ثم نتساءل:
لماذا لم يعد الناس يصوتون لنا؟
يا للعجب...
كأن الناخب فقد ذاكرته، لا الحزب فقد لغته.
المشكلة ليست في المعارضة ولا في الحكومة
لنكن منصفين.
المعارضة ليست جنة.
والحكومة ليست جهنم.
يمكن للاتحاد أن يدخل الحكومة ويصنع شيئاً... ولن يصنع شيئاً حتماً...
ويمكنه أن يبقى في المعارضة الحقيقية... الشرسة... لا معارضة طابور الانتظار... لا عيب ولا عار...
لكن السؤال هو:
ماذا يريد أن يصنع؟
إذا دخل الحكومة، فليدخل بمشروع لا ببطاقة دعوة... وهو حالياً غير قادر على تنزيل رؤيته وقيمه...
لن يكون بإمكانه أن يصرخ:
هذه شروطنا.
هذه أولوياتنا.
هذه الملفات التي سنحملها.
وهذه الأشياء التي لن نقبل أن نكون شهوداً عليها.
قد يدخل بمزاج لشكر إلى الحكومة ثم نكتشف، بعد التقاط الصورة الجماعية، أنه مجرد رقم في معادلة عددية للأغلبية...
المعارضة، إن جاءت، ليست عطلة صيفية
أما إذا اختار الاتحاد المعارضة، فلا نريده أن يجلس في البرلمان مثل تلميذ عاقبته الإدارة على الضجيج... في منطقة... المعارضة المؤدبة...
لا.
ليكن معارضاً..
ولكن معارضة لها أسنان وأضفار...
معارضة تراقب الحكومة في الصباح، وتقترح في الظهر، وتفضح الاختلال في المساء، ثم تعود في اليوم التالي لتقدم بديلاً.
معارضة تدخل إلى المدرسة والمستشفى والسوق والجامعة والمصنع.
معارضة تسمع المواطن قبل أن تتحدث باسمه...
معارضة لا تكتفي بأن تقول:
الحكومة أخطأت...
بل تقول:
وهذا هو البديل.
هناك فقط تصبح المعارضة مدرسة.
أما المعارضة التي تنتظر دورها في الحكومة، فهي مجرد طابور انتظار طويل أمام باب السلطة.
يا إدريس لشكر، لا تجعل الاتحاد غرفة انتظار..
هنا السؤال الموجه إلى إدريس لشكر ليس عدائياً.
بل ربما هو أكثر الأسئلة محبة للحزب:
يا با إدريس،
هل تريد حكومة للاتحاد؟
أم تريد اتحاداً قادراً على أن يكون في الحكومة؟
الفرق بين السؤالين هائل.
الأول يبحث عن كرسي.
الثاني يبحث عن حزب.
فالكرسي، مهما كان فاتناً، له أربع أرجل... هشة دائماً...
أما الحزب فله روحه...
إذا ماتت روحه، فلن تنفعه وزارة.
الاتحاد لا يحتاج إلى مزيد من لعب دور "روريضة سكور"
لقد طال زمن المنطقة الرمادية ...
مرة نغير الشعار... ونفضل الانتظار.
مرة نغير التحالف... ولا نتحالف أصلاً...
مرة نغير الخطاب... ولا نقنع... نهرب من المنطقة الساخنة في السياسة.
مرة نكتشف أن المشكلة في الإعلام...
ومرة في المنافسين.
ومرة في قانون الانتخابات.
ومرة في الناخب الذي لم يفهم عظمة المشروع.
لكن ربما حان الوقت لنقول شيئاً أبسط وأقسى:
ربما المشكلة فيكم...
وهذه الجملة وحدها قد تكون بداية الإصلاح.
أن يقول الحزب:
أخطأنا.
تأخرنا.
ابتعدنا.
لم نعد نسمع جيداً...
كبرت المسافة بين المقر والمقهى.
بين القيادي والمواطن.
بين الخطاب والخبز.
بين الذاكرة والحاضر.
ثم نبدأ من هناك.
لأن المواطن لا يأكل التاريخ
الاتحاد يملك تاريخاً كبيراً..
لكن التاريخ لا يُؤكل.
المواطن لا يضع تاريخ المهدي بنبركة في سلة السوق، ولا يدفع به فاتورة الكهرباء، ولا يرسله إلى مستشفى عمومي.
التاريخ محترم.
لكن السياسة تقاس بالحاضر.
والناخب لا يصوت لمن كان الحزب عليه.
يصوت لمن يعتقد أنه سيكونه غداً..
وهنا المعركة.
ليس بين لشكر ومن صاحوا "با إدريس عيقتي.... بزاف "...
وليست بين الحكومة والمعارضة.
إنها بين اتحاد يريد أن يعيش على ذاكرته، واتحاد يريد أن يصنع لنفسه مستقبلاً.
وربما لهذا السبب بالذات...
ربما ينبغي للاتحاد أن يبتعد قليلاً عن مرآة الحكومة...
أن يترك الوزراء يتفاوضون.
وأن يعود هو إلى الأزقة.
إلى المدن الهامشية.
إلى القرى.
إلى الجامعات.
إلى المدارس.
إلى النقابات.
إلى المثقفين.
إلى الشباب.
إلى ذلك المواطن الذي لم يعد ينتظر من الحزب خطاباً عن "المشروع المجتمعي"، لأنه يريد أن يعرف ببساطة:
ماذا ستفعلون بحياتي؟
إذا لم يستطع الاتحاد الإجابة عن هذا السؤال، فلن تنقذه حقيبة... ولا وزارة...
وإذا استطاع الإجابة، فلن يخيفه البقاء في المعارضة.
فالحزب الحقيقي لا يموت لأنه جلس خارج الحكومة.
يموت عندما يصبح جلوسه داخل الحكومة أهم من سبب وجوده خارجها وداخل المجتمع.
ولذلك، يا إدريس لشكر، قبل أن تسأل:
كم حقيبة؟
اسأل:
كم قلباً بقي؟
وقبل أن تحسب:
كم مقعداً سنأخذ؟
اسأل:
كم مواطناً ما زال يرى في الاتحاد نفسه الذي كان يحلم به؟
فربما تكون أخطر خسارة للاتحاد ليست أن يفقد وزارة.
بل أن يفقد السبب الذي يجعل المغاربة يريدونه أصلاً...






