فن وإعلام

دفاعًا عن القراءة: القراءة البطيئة، أو فنّ التمهّل (5)

سعيد ناشيد (كاتب)

:

في مقدّمة «الفجر» وصف نيتشه فقهَ اللغة بأنه «فنٌّ مُبجَّل» لا يطلب من صاحبه قبل كلّ شيء إلا أن يتنحّى جانباً، وأن يأخذ وقته، وأن يصير هادئاً وبطيئاً. ولم يكن نيتشه، كما يقول عن نفسه، فقيهَ لغة عبثاً؛ فقد كان «معلِّماً للقراءة البطيئة». والقراءة الجيّدة عنده أن تقرأ ببطء وعمق، وأن تنظر بحذر إلى ما قبل الجملة وما بعدها، «بعينين رقيقتين وأنامل رقيقة». ومن هنا وصف نفسه وكتابه بأنهما «صديقان لِلِنتو» (lento)، تلك الإشارة التي تُكتب في أعلى القطعة الموسيقية لتقول للعازف: اعزفْ هذا على مهل.

والنصّ الفكري أو العلمي لا يُقرأ إلا هكذا: أن تتوقّف حيث يستوقفك، وأن تعود إلى ما لم تفهمه، وأن تقرأ الجملة ثانيةً وثالثةً حتى تنفتح لك. هذا ما تسمّيه ماريان وولف في كتابها «أيها القارئ، عُد إلى البيت» (2018) «الصبر المعرفي»: القدرة على احتمال ألّا نفهم فورا، وعلى البقاء داخل صعوبة النصّ حتى يمنحنا معناه. وتلاحظ أنّ هذا الصبر أوّلُ ما يضمر لدى من ألِفوا الشاشة؛ لأن الشاشة علّمتهم أنّ ما لا يُفهم في ثوانٍ يُترَك.

وقبل وولف بنحو ألفي عام كتب سينيكا ما يشبه هذا في رسالته الثانية إلى لوكيليوس: إنّ العبرة ليست بكثرة الكتب، وإنّ الطعام لا يغذّي ما لم يُهضَم؛ فالزم قلّةً من المؤلّفين المعتمَدين وتغذَّ بهم، حتى يرسخ فيك ما تقرأ رسوخاً لا يزول.

فالقراءة السريعة ليست قراءة أسرع، بل قراءة من نوع آخر: تلتقط ما تعرفه سلفًا وتقفز فوق ما لا تعرفه، فتخرج من الكتاب كما دخلته. أما القراءة البطيئة فهي وحدها التي تجعل النص يشتبك معك، ومن ذلك الاشتباك وحده تتعلم.