سياسة واقتصاد

مالي… حين تصبح الزراعة ركناً من أركان السيادة الوطنية

حسان البلعاوي

أحسنت الدولة المالية، بمختلف مؤسساتها الرسمية والأهلية، بعقد لقاء واسع خُصص لمناقشة الزراعة والريف وعلاقتهما بالتنمية والسيادة الوطنية، بمشاركة وزراء ومسؤولين ومتخصصين وفاعلين في القطاع الزراعي والاستثماري، إلى جانب عدد من السفراء والدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة والمؤسسات المالية والاقتصادية وشركاء التنمية.


وجاء اللقاء في إطار التعريف بالمبادرة الوطنية «Paysan+»، التي تجمع تحت مظلتها عدداً من الأنشطة والمبادرات الزراعية، أبرزها منتدى الاستثمار في قطاع القطن (FIFC)، والدورة التاسعة للمهرجان الإفريقي للقطن (FEPAC 9)، واليوم الوطني للحصاد، إلى جانب الاحتفال بـالسنة الدولية للمرأة المزارعة 2026. وتشارك في دعم المبادرة وتنفيذها جهات حكومية وقطاعية، إلى جانب جمعية الشباب لتثمين القطن (AJVC) ووكالة SPIRIT، مع إشراك المنتجين والتنظيمات الفلاحية والقطاع الخاص والمستثمرين والمصارف وشركات التأمين والشركاء التقنيين والماليين.


وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها لا تبدو نشاطاً زراعياً معزولاً، بل تأتي ضمن رؤية متكاملة بدأت تنضج أكثر فأكثر وتجد طريقها إلى المؤسسات الرسمية والأهلية في مالي، وتعكس وعياً متنامياً بأن الريف ليس مجرد مساحة للإنتاج الزراعي، بل أحد مفاتيح التنمية والاستقرار والسيادة.


مالي… بلد شاسع وشاب وريفي


تبلغ مساحة مالي نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، فيما يقترب عدد سكانها، وفق أحدث التقديرات، من 24 مليون نسمة. وهي دولة شابة جداً، إذ يبلغ متوسط العمر نحو 21 عاماً، كما تظهر البيانات المالية أن نحو 70% من السكان يعيشون في الوسط الريفي، الأمر الذي يجعل أي سياسة تتعلق بالريف والزراعة مرتبطة بصورة مباشرة بحياة غالبية المجتمع المالي.


وتتمتع البلاد بإمكانات زراعية ورعوية هائلة؛ إذ تقدر المساحات ذات الإمكانات الزراعية والرعوية والغابية والسمكية بنحو 46.6 مليون هكتار، منها أكثر من 12 مليون هكتار من الأراضي ذات الإمكانات الزراعية ونحو 30 مليون هكتار من المراعي. كما تمتلك مالي ثروة حيوانية كبيرة، تقدر بنحو 13 مليون رأس من الأبقار وأكثر من 50 مليوناً من الأغنام والماعز.


وتشير معطيات أخرى طُرحت في إطار المبادرة إلى وجود نحو 44 مليون هكتار قابلة للاستخدام في الزراعة وتربية المواشي، في حين لا تتجاوز المساحات المزروعة فعلياً نحو 7 ملايين هكتار. كما يمثل القطاع الزراعي أكثر من 35% من الناتج المحلي الإجمالي، ويرتبط به جزء واسع من النشاط الاقتصادي والاجتماعي، فيما بلغ إنتاج الحبوب في عام 2025 نحو 11.6 مليون طن.


وهذه الأرقام تكشف أن التحدي الرئيسي في مالي لا يكمن في غياب الموارد، بل في كيفية استغلال الأرض والمياه والثروة الحيوانية بكفاءة أكبر، ورفع الإنتاجية وربط الإنتاج بالتخزين والتصنيع والنقل والتسويق، بحيث تتحول الثروة الزراعية إلى قيمة مضافة وفرص عمل داخل الاقتصاد الوطني.


المرأة والشباب في قلب الريف


ويكتسب البعد الاجتماعي للمبادرة أهمية خاصة، لا سيما أنها تتزامن مع السنة الدولية للمرأة المزارعة 2026، في بلد تضطلع فيه النساء بدور رئيسي في الإنتاج الغذائي والأمن الغذائي، رغم الصعوبات التي تواجههن في الوصول إلى الأرض والتمويل والتقنيات والأسواق.


ولهذا خصصت المبادرة مساحة واضحة للنساء والشباب. ففي مرحلتها الأولى في بانكومانا، بدائرة سيبي في منطقة كوليكورو، من المقرر تنظيم نشاط ميداني يمتد ثلاثة أيام في قلب الوسط الريفي، يسمح بالتواصل المباشر مع المزارعين وعرض المبادرات الزراعية المبتكرة والمنتجات البيولوجية المحلية، وتشجيع الاستهلاك والإنتاج الوطنيين.


ومن العناصر المهمة اختيار 200 شاب وشابة، نصفهم من النساء، للاستفادة من تدريبات مجانية، في محاولة لربط الجيل الجديد بالأرض والزراعة الحديثة والاستثمار. أما المرحلة الثانية، في باماكو، فستجمع خبراء ومختصين من مختلف أنحاء البلاد لمناقشة التغير المناخي ومستقبل النظم الزراعية والصناعات التحويلية، والزراعة الإيكولوجية، والتأمين الزراعي، وسلسلة التبريد وغيرها من القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الريفي.


وهذا الاهتمام بالشباب والمرأة ليس تفصيلاً؛ فنجاح أي استراتيجية لتنمية الريف يبقى مرتبطاً بقدرتها على إعطاء الأجيال الجديدة سبباً للبقاء في الأرض والعمل والإنتاج فيها.


الزراعة جزء من معادلة الأمن والسلام


وكانت من أبرز المداخلات خلال اللقاء مداخلة الفريق أول إسماعيل واغي، وزير المصالحة والسلام والتماسك الوطني وأحد كبار ضباط الجيش المالي، الذي نقل النقاش من إطاره الزراعي والاقتصادي إلى بعده السياسي والأمني والاجتماعي.


وشدد الوزير على أن جزءاً مهماً من عمل وزارته يرتبط بالمناطق الريفية، وأن الاستثمار في الريف والزراعة، وقبل ذلك في المياه والبحث عن مصادرها، يعني أيضاً الاستثمار في الشباب والاستقرار والسلام. فضعف التنمية وغياب فرص العمل في بعض المناطق يهيئان بيئة تستغلها الجماعات المسلحة والمتطرفة وشبكات الجريمة لاستقطاب الشباب.


كما ركز على ضرورة ألا تنحصر المشاريع في منطقة معينة، وإنما أن تمتد إلى مختلف مناطق مالي، شمالاً ووسطاً وجنوباً، بما يعزز التماسك الوطني ويقوي الصلات بين مختلف مكونات البلاد. وفي هذا الإطار، تواصل الدولة الاستثمار في بعض المناطق التي تواجه تحديات أمنية، انطلاقاً من رؤية متوسطة وبعيدة المدى تعتبر أن التنمية نفسها إحدى وسائل استعادة الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.


وهكذا تصبح تنمية الريف جزءاً من رؤية تنموية واقتصادية واجتماعية، وفي الوقت نفسه رؤية سياسية وأمنية.


السيادة تبدأ أيضاً من الغذاء


برز مفهوم السيادة الزراعية والغذائية بقوة في مداخلات عدد من المتخصصين. فالدولة التي تمتلك الأرض وتنتج المواد الأولية، لكنها تصدرها خاماً ثم تعيد استيرادها في صورة منتجات مصنعة، لا تحصل إلا على جزء محدود من القيمة الحقيقية لثروتها.


وهذه ليست مشكلة مالية وحدها، بل تحدٍّ يواجه العديد من البلدان الإفريقية ودول الجنوب. ويشكل القطن مثالاً واضحاً في مالي: فالسؤال ليس فقط عن حجم الإنتاج، وإنما عن القدرة على غزل القطن ونسجه وتصنيعه محلياً، وبالتالي الاحتفاظ بالقيمة المضافة وخلق الوظائف.


وأشير خلال النقاش إلى تجارب إفريقية، بينها تجربة نيجيريا في تطوير إنتاج الأرز، للدلالة على أن الاستثمار المنظم في الإنتاج المحلي يمكن أن يقلص الاعتماد على الخارج حتى في الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة.


ومن هنا يلتقي الملف الزراعي مع مفهوم السيادة الذي أصبح يحتل موقعاً مهماً في الخطاب المالي: السيادة على الأرض والمياه والثروات الطبيعية، والسيادة على الإنتاج والغذاء، والقدرة على تحويل الموارد الوطنية داخل البلاد بدلاً من تصديرها مواد أولية.


الريف ليس هامشاً للدولة


وتتجاوز هذه المسألة حدود مالي. ففي عدد كبير من دول الجنوب، في إفريقيا وآسيا، شكل الريف تاريخياً إحدى البيئات التي ظهرت فيها حركات الاحتجاج والتمرد عندما تراكم الفقر والبطالة والتهميش وضعف حضور الدولة.


لذلك فإن الطريق والبئر والمزرعة والسوق ومصنع تحويل المنتجات الزراعية ليست مجرد مشاريع اقتصادية منفصلة؛ إنها أدوات تساعد على تثبيت السكان، وإيجاد فرص للشباب، وتعزيز التماسك الاجتماعي وحضور الدولة.


وبهذا المعنى، فإن الرؤية التي تتبلور في مالي تقوم على معادلة واضحة: الاستثمار في الريف هو استثمار في الإنتاج، لكنه أيضاً استثمار في الإنسان والشباب والاستقرار والسيادة الوطنية.


فلسطين… الأرض والزراعة في مواجهة الاحتلال


إذا انتقلنا إلى فلسطين، مع الاختلاف الكبير في الظروف، نجد أن الريف والزراعة يحملان أيضاً بعداً يتجاوز الاقتصاد. فمنذ احتلال عام 1967، شكلت السيطرة الإسرائيلية على الأرض والمياه وإضعاف القاعدة الزراعية الفلسطينية عنصراً مستمراً في واقع الأراضي المحتلة.


فمصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، والسيطرة على الموارد المائية، والقيود المفروضة على وصول المزارعين إلى أراضيهم وعلى بعض المستلزمات الزراعية، أضعفت قدرة قطاعات من المزارعين على الاعتماد على الأرض مصدراً ثابتاً للدخل. وساهم تقلص القاعدة الإنتاجية الفلسطينية، إلى جانب عوامل اقتصادية وسياسية أخرى، في دفع أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين، وبينهم أبناء أسر زراعية وشباب من المناطق الريفية، إلى الاعتماد على سوق العمل الإسرائيلي في البناء والصناعة والخدمات.


ومن هنا فإن حماية الريف الفلسطيني والزراعة ليست مجرد دفاع عن قطاع اقتصادي؛ إنها دفاع عن الأرض وبقاء الإنسان عليها، وعن القدرة على الإنتاج وتقليل التبعية وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي والاستقلال الاقتصادي.


مالي وفلسطين… الأرض بوصفها مساحة للتعاون


فلسطين، باعتبارها من دول الجنوب وشعباً ما زال يواجه الاحتلال والاستيطان، لديها الكثير مما يمكن أن تتقاسمه مع جمهورية مالي الصديقة، رغم اختلاف الظروف والتجارب. ففي الحالتين تبرز الأرض والمياه والزراعة والريف والشباب والمرأة باعتبارها عناصر أساسية في بناء مجتمع قادر على الصمود وتطوير اقتصاده وحماية موارده.