على عتبة الحكومة الجديدة، تبدو الذاكرة السياسية أقصر من الحملة الانتخابية نفسها. قبل أيام، كان التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة يتبادلان اتهامات تمس تدبير المال العام وأخلاق العمل السياسي. ثم صدر بيان الأحرار معلنا الاستعداد للمشاركة في حكومة يقودها الحزب الذي واجهه في صناديق الاقتراع وعلى المنابر. التحالف ممكن في السياسة، غير أن الانتقال السريع من التراشق إلى التفاوض يلزم الحزبين بتفسير اتهامات الحملة قبل أن يطلبا ثقة الناس مجددا.
أحال المكتب السياسي للأحرار القرار إلى مجلسه الوطني، المقرر اجتماعه في الثالث من أكتوبر، وربط المشاركة بنتائج المشاورات. ذلك إجراء مؤسساتي مفهوم، غير أن إعلان الرغبة قبل الاجتماع جعل وجهة الحزب واضحة سلفا. واللافت أن البيان تحدث عن «تثمين المكتسبات» و«استكمال الأوراش» بلغة توحي باستمرار التجربة، بينما أفضت الانتخابات إلى انتقال قيادة الحكومة من الأحرار إلى البام. ليس تغير المقاعد تفصيلا تنظيميا؛ إنه مناسبة لمراجعة الحصيلة، وتفسير ما قاله الناخبون في اقتراعهم وما تثيره المشاركة الضعيفة من أسئلة.
تجاوز السجال بين الحزبين اختلاف البرامج. تبادلا الكلام بشأن انتقال المنتخبين، ودعم استيراد المواشي، وما عرف شعبيا بملف «الفراقشية»، وأثيرت اتهامات بتضارب المصالح والإخفاق في حماية القدرة الشرائية. لا يجوز الجزم بصحة تلك الاتهامات لمجرد أنها قيلت في حملة انتخابية. لكن لا يجوز أيضا طيها لأن حسابات الأغلبية تغيرت. فإذا كانت مدعومة بوقائع، فمكانها التحقيق والمحاسبة؛ وإذا كانت مبالغات لتعبئة الأنصار، فمن حق المواطنين أن يسمعوا اعترافا واضحا بذلك. في الحالتين، يحتاج الخطاب السياسي إلى أن يتحمل تبعاته.
وتزداد مسؤولية الطرفين لأنهما اشتركا في الحكومة المنتهية ولايتها. قاد الأحرار التجربة، وشارك البام في قراراتها، وإن اختلفت مواقع كل منهما وصلاحياته. لا تعفي قيادة الحكومة الشريك من نصيبه في الحصيلة، كما لا تسمح المشاركة للقائد بأن يختبئ خلف المسؤولية الجماعية كلما سئل عن غلاء المعيشة. الأسر التي أثقلتها الأسعار لا يعنيها أن تنتقل المسؤولية من حزب إلى آخر في يوم، ثم تتبخر على طاولة التحالف في اليوم التالي. إنها تنتظر تفسيرا للسياسات ونتائجها، لا سباقا إلى الحقائب.
قد تحتاج الحكومة المقبلة إلى أغلبية واسعة ومستقرة. ذلك منطق برلماني مشروع، لكنه لا يبرر أن يصبح التوافق اسما مهذبا للنسيان. ينبغي أن يسبق الاتفاق بين الأحرار والبام كشف ما يتفقان عليه في تشخيص المرحلة: أين أخفقت سياسات الدعم؟ من تحمل كلفتها ومن استفاد منها؟ كيف ستضبط المصالح الخاصة عند اتخاذ القرار العمومي؟ وما الذي سيتغير فعلا في مراقبة الإنفاق والأسعار؟ تلك ليست أسئلة خصوم يريدون تعطيل تشكيل الحكومة، بل شروط ثقة يحتاجها أي برنامج يريد أن يحكم باسم المواطنين.
أما المجلس الوطني للأحرار، فلا تقاس جديته بمجرد انعقاده، بل بقدرته على مناقشة احتمال المعارضة بالجدية نفسها التي يناقش بها المشاركة. إذا اختار الحزب الحكومة، فعليه أن يشرح أسباب العمل مع شريك تبادل معه الاتهامات. وإذا اختار المعارضة، فعليه أن يحدد ما الذي سيعارضه في سياسات شارك في صنعها. هذه المفارقة لا تحلها بلاغة «المصلحة العليا» وحدها؛ بل يحلها بيان سياسي يربط الاختيار بمراجعة صريحة وبتعهدات يمكن مساءلة أصحابها عنها.
تكشف هذه اللحظة أيضا خللا في استعمال اللغة السياسية: فالتحالف الذي قدم بالأمس بوصفه ضرورة لحماية الاستقرار، يصير في موسم الاقتراع موضوعا للتشهير، ثم يعود بعد الفرز ضرورة وطنية. عندئذ لا يعود الناخب متلقيا لبرامج متنافسة، بل شاهدا على تبدل وظائف الكلمات تبعا لموقع قائلها. وإذا فقدت المفردات معناها، صار الاقتراع أضعف من أن يغير سلوك الحاكمين، وصارت الثقة أول ضحايا المرونة الحزبية.
لا عيب في أن يتفاوض خصمان، ولا فضيلة في خصومة تستمر لمجرد حفظ المظهر. العيب أن تتحول الاتهامات الثقيلة إلى أصوات محفوظة في أرشيف الحملة، بينما يعود مطلقوها إلى اقتسام المسؤولية بلا تفسير. تستطيع المقاعد أن تصنع أغلبية، ويستطيع البرلمان أن يمنحها ثقته. أما المواطن الذي سمع الاتهام ثم شاهد المصافحة، فلن يستعيد ثقته ببيان آخر. عليه أن يرى الحقيقة وهي تقال، والمسؤولية وهي تحدد، والوعد وهو يقاس بنتيجته. وحدها هذه الشجاعة تمنح التحالف معنى سياسيا يتجاوز الرغبة في البقاء قريبا من السلطة.






