لقد بلغنا اللحظة التي لا يعود فيها الصمت حكمة، ولا يصبح فيها التأجيل سوى اسم آخر للأزمة.
انتهت الانتخابات، سقطت الأقنعة التي تسقطها دائماً الأرقام، وبقي السؤال واقفاً في منتصف الطريق، عارياً من كل تبرير: ماذا فعلنا بالاتحاد، وماذا فعل الاتحاد بنا؟
لسنا أمام هزيمة انتخابية تُدفن في بلاغ، ولا أمام عثرة تُعالج بتغيير بعض الوجوه؛ نحن أمام امتحان سياسي وتنظيمي يمس معنى المؤسسة نفسها، ويضع أمامنا تاريخاً طويلاً من النضال، لا لكي نبكي عليه، وإنما لكي نسأل: أين ذهب ذلك الاتحاد الذي كان يخيف خصومه بقوة فكرته، لا بكثرة مكاتبه؟
لقد آن أوان أن يتوقف الحزب عن إدارة أزماته كما تُدار الأسرار.
آن أوان أن تصبح الحقيقة أعلى من الولاء، والمؤسسة أعلى من الأشخاص، والقانون الداخلي أعلى من الرغبة، والمصلحة الحزبية أعلى من الحسابات الصغيرة.
لا أحد أكبر من الاتحاد.
ولا أحد أقدم من تاريخه.
ولا أحد يملك حق احتكار مستقبله.
إن المرحلة التي نحن فيها لا تحتمل ترقيعاً سياسياً، ولا هندسةً جديدة للولاءات، ولا استبدال كرسي بكرسي مع إبقاء العقلية نفسها؛ لأن الأزمة التي تُدار بالأدوات نفسها ستعود بالنتائج نفسها، ولو تغيرت الأسماء.
المطلوب هو فتح الباب أمام مراجعة سياسية وتنظيمية عميقة: مراجعة طريقة صناعة القرار، ومراجعة علاقة القيادة بالمؤسسات، ومراجعة شروط المشاركة، ومراجعة تدبير الموارد، ومراجعة كل ما جعل المسافة تكبر بين الحزب وقواعده، وبين الخطاب والممارسة.
وإذا فُتحت ورشة انتقال، فإن الانتقال لا يكون صفقةً بين الغرف، ولا ترتيباً تحت الطاولة؛ يكون واضحاً في قواعده، محدداً في مهامه، مضبوطاً في آجاله، ومؤسساً على احترام المؤسسات، حتى لا تتحول لحظة الأزمة إلى فرصة لإعادة إنتاج الأزمة.
نحن لا نبحث عن من ينتصر على من.
نحن نبحث عن اتحاد ينتصر على أزمته.
وهذه ليست معركة ضد رجل، ولا ثأراً من مرحلة؛ إنها مواجهة مع منطقٍ كامل يجب أن يخضع للنقد، لأن الأحزاب التي تتوقف عن نقد نفسها تبدأ في فقدان قدرتها على تجديد نفسها.
يا اتحاديي العالم، اتحدوا حول السؤال قبل الجواب، وحول المؤسسة قبل الأشخاص، وحول المستقبل قبل المواقع.
فالمرحلة لا تحتاج إلى أصوات أعلى.
تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، وذاكرة لا تخون، وشجاعة لا تخاف من فتح الملفات.
لقد ورثنا اسماً ثقيلاً.
فلا نترك لأجيال الاتحاد القادمة مجرد الاسم.
إما أن يُفتح الطريق أمام اتحاد يستعيد السياسة إلى قلبه،
أو سيظل التاريخ يذكّرنا بأننا كنا آخر من رأى الباب مفتوحاً، ولم يجرؤ على عبوره.






