رأي

إدريس الاندلسي: ببركة سيدي «القاسم» الانتخابي بلغ الأرب

لن أقسم، ولن أؤكد، ولن أنفي أن كثيرًا من مرشحي الانتخابات التشريعية قد لجؤوا للأولياء للحصول على بركتهم، وحيثما ظنوا أنه هناك بركة قد تجعل «القاسم» يتحول إلى فاعل ذي بركة في فرز الأصوات، على طريقة أئمة صنع القواعد الانتخابية، وتقديمها إلى غرف البرلمان، أو الاقتصار على تمريرها عبر مراسيم تتحدى أبسط المناهج الضامنة لممارسة ديمقراطية لا تشوه مبدأ تساوي الأصوات في صنع مفتاح الدخول إلى مجلس يقوم بصنع القوانين تتوخى خدمة الوطن والصالح العام.

وسيظل مخيال بعض المرشحين الذين فطنوا، حسب ما عرفوا من سبل تضمن الرضا والقبول، وخصوصًا زيادة في «الأرزاق»، تأكدوا بعد أن سمعوا أن «سيدي قاسم» إذا وصلوا إلى أعلاه بلغوا المنى والنصيب. لا تتكلم مع هؤلاء عن القانون الدستوري ولا عن أنظمة الاقتراع. سيضحكون كثيرًا من غياب معرفتك بكرامات التمسك بأسباب النجاح المضمون. ويزيد تهكمهم بأمثالك حين لا تعرف أن «القاسم مول البركة» علم مستقل بذاته، ولا يُدرّس في كليات الحقوق.

صنع «سيدي القاسم الانتخابي» في المغرب لكي نتبع قواعد انتخابية على مقاس من لا يسعون للحصول على أغلبية الأصوات، والاكتفاء بما قل ودل من أدوات القدرة الكفيلة بالحصول على كرسي في مصنع القوانين. ويعتبر أغلب أهل السياسة وفقهاء القانون الدستوري أن القاسم الانتخابي يفرغ التنافس من أهدافه الأساسية المرتبطة بالتساوي أمام عدد الأصوات. إذا كانت العملية لا تتيح للأحزاب ذات الحضور القوي الحصول على أغلب المقاعد، فلا معنى للتنافس بالبرامج والفعل المجتمعي والسياسي للهيئات الحزبية. فالسعي للحصول على أصوات المواطنين أصبح غير ذي معنى.

أما من يقول بضرورة «حماية الأحزاب الصغرى» بالقاسم الانتخابي، فإنه يعبث بصوت المواطن. فربط القاسم الانتخابي بعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية حرم، حسب أحد المواقع التي درست الموضوع، «الأحزاب الكبرى» من 21 مقعدًا بعد إعادة احتساب الأصوات دون قاسم انتخابي. كما أن هذا النظام يعد مضرًا بالتنافس، ويسير في اتجاه دعم البلقنة الحزبية وتشجيع نمو عدد الدكاكين الانتخابية، بالإضافة إلى إعطاء قوة انتخابية غير ذات معنى لغير المشاركين في الانتخابات والمقاطعين لها، رغم تسجيلهم، وهم الذين فاقت نسبتهم 61,88%، وهذا يفرغ المشاركة من مدلولها السياسي.

وبالرجوع إلى «بركة» سيدي القاسم الانتخابي، وجب التذكير بأن عددًا كبيرًا من المرشحين الفائزين فرحوا كثيرًا بالضعف الكبير الذي سجلته نسبة المشاركة. هناك من فاز بمقعد في دائرته بأكثر خمس مرات ممن فاز بصحبته من حزب آخر بنفس الكرسي. وتظهر النتائج التفصيلية بالدوائر كم ساهم «سيدي» القاسم الانتخابي في اكتساب شرعية بعدد ضعيف من الأصوات، وعلى الخصوص بالعالم القروي. إننا ماضون في التمسك بنظام انتخابي لا يمكن من تنزيل المحاسبة السياسية بشكل صحيح.

ووجب التأكيد على أن الأنظمة الانتخابية، وخصوصًا تلك التي تعتمد على التمثيل النسبي، لا تضمن في غالبية الدول الديمقراطية ذلك الهدف المتعلق بالاستقرار والقوة للمؤسسات الذي يضمنه النظام الأغلبي، والذي لا يخلو من عيوب، أهمها عزل الأقليات السياسية والعرقية عن المشاركة السياسية. ولهذا صب اجتهاد الدستوريين على محاولات لتطوير التمثيل النسبي الذي لا يضمن جرعة «صلبة» تضمن الاستقرار السياسي. ولعل الأنظمة الانتخابية في شمال أوروبا، وبعض الدول كألمانيا والسويد، تتبنى التمثيل النسبي مع فرض عتبة قد تصل إلى 5% من عدد الأصوات المحصل عنها. وقد حققت هذه الدول مكاسب سياسية في مجال استقرار المؤسسات المنتخبة.

ولكن «بركة سيدي القاسم» الانتخابي لا يمكن أن نعزلها عن واقع الممارسة الانتخابية في بلادنا.